كعك العيد والثورة

أحمد هو الثورة السورية المغدورة، هو الثورة بالكثير من تجلياتها وأخطائها وأفراحها وأحزانها. هو الطفل الذي سلبه الفقر أحلامه وأعطاه واقع من الرعب والتعب، وهو الذي نشأ في الفترة التي كان فيها القمع الأمني في أعلى مستوياته، فربي على الخوف والحذر. هو من سرقت أمنياته وقطعت أنياب العوز طفولته ليبدأ العمل في سن مبكرة ليساعد في إعالة أسرته، فكان ضحية النظام الاجتماعي والأمني القائم فيحرم من إكمال دراسته بشيء من الإرداة التي أكره عليها في ظل الفقر التي كانت تعيشه الأسرة والمغريات المالية التي وجدها مراهق لم يبلغ 14 بعد فتوقف عن الدراسة ليكمل مشواره في العمل كصانع للأحذية. أحمد هو الطاقة التي بددت في العمل العضلي، تقول أمي أن أحمد هو أذكى أطفالها ولكنها تصر أن الفقر هو ما أبعده عن دراسته وليش الفشل، فكان أحمد الخيبة السورية في قلوب الكثير من السوررين الذين منعهم فقرهم من أي يكملوا خطوة واحدة بعد الأعدادية. اعتقد أحمد أن العمل هو سبيل المال والمال هو ما يصنع الانسان في هذا الحصار المسمى الوطن، لم يكن أحمد مخطئ فهكذا كانت تسير الأمور في مزرعة الأب الخالد. لم يستبعد أحمد ذكائه فوظفه في عمله ليكون من أفضل العالمين في هذا المجال ولكن يعود الفقر ليحد من طموحاته في امتلاك ورشته الخاصة. أحمد كان المنقذ لوضع العائلة الاقتصادي المزري فكان من خلال عمله مع محمد (رحمه الله) المصدر الرئيسي لدخل الأسرة الذي صنع انتعاشة اقتصادية وبناء طابق آخر في البيت فخرجنا من القن الذي كنا ننام فيه 6 أولاد!! كما أن أحمد كان فرحة العيد من خلال مورده المادي الذي كان يوفره للأسرة الكبيرة،هو كعك العيد الحلو والشوكولا بجوز الهند وملابس العيد والفرحة التي تسبق العيد لأطفال في أسرة فقيرة، أطفال يخشون أن يأتي العيد بلا كعك وهو فرحتهم الوحيدة، كنا نحن أولئك الأطفال وكان أحمد العيد. في عام كنا صغار وجاء عيد الأضحى ولم يكن لدينا كعك عيد ولم يكن لدى أبي أي من المال لأي شيء، أحمد أنقذ الموقف وأنقذ العيد واوقظ الفرحة بتوفيره المال قبل يوم فقط من العيد. كان أحمد شيء من الفرحات المسلوبة في حزن الوطن الأسود، كان الحزن سيد الوطن والفقر والألم خبزه وماؤه وأشخاص مثل أحمد باعوا أحلامهم بالقليل من المال ليرسموا الفرحة في هذا المشهد الشاحب المحتضر. كبر أحمد وذهب للخدمة الإلزامية وعاد ليتزوج وينجب الأطفال وكبرنا نحن وبقي أحمد فرحة العيد لنا رغم أنه اصبح رب أسرة إلا أن أحمد هو المسؤول مع أمي عن تحضير كل مسلتزمات العيد فارتبطت نكهة الكعك بالعيد و بأحمد.
جاءت الثورة فكان محمد من أول المشجعين لها لتكون الأسرة بكاملها في وقت لاحق مع الثورة، أحمد كان متشجعاً للثورة حيث وجد فيها حلمه المنتهك وطفولته المستباحة وأوجاع الظهر التي عانى منها من العمل في الأحذية. كانت الثورة لأحمد كما الكثيرين من أبناء جيله، الرد الفعلي لكل ما مروا به، انتقام ممن حرمهم الفرح وسلبهم المستقبل. لكن الثورة أوقفت أحمد عن العمل لحوالي العام حتى بات حال أحمد المادي شديد الصعوبة، كان يحاول أن يعمل أي شيء حتى يؤمن رزق أولاده. أذكر وجهه المتعرق ولهاثه وهو ينقل براميل عصير البندورة إلى سطح المنزل ليقوم بتجفيفها وتحويلها إلى دبس بندورة ويبيعها فيرزق منها شيء، ويداه المتورمتان من الفلفل الحار الأحمر وهو يقوم بتقطيعها لتجفيفها وبيعها فيما بعد، لم يكن يوفر جهد للعمل ولا يكل عن ذلك في سبيل كسب رزق أولاده. كانت الثورة له عنوان آخر للحياة، فبعد عدة أشهر من دخول الجيش الحر إلى حلب في تموز 2012 وبعد سفري إلى الجزائر بقليل انخرط أحمد في الجيش الحر كعنصر يملك سلاحه الخاص، كانت تلك الخطوة مرفوضة من أهلي ولكنه بررها بأن من سيرفض عليه أن يعيل أسرته، وكان الجيش الحر بالنسبة له التمثيل الفعلي للثورة وردة الفعل الطبيعية تجاه الظلم الذي عاناه في حياته في هذا الوطن الأخرق. أصبح مقاتلاً وأصيب خلال العديد من المعارك ضد قوات النظام على عدة جبهات، كما تم اعتقاله من قبل المحكمة الشرعية لمدة ثلاث أشهر لتواجده في مكان حدث فيه تبادل أطلاق نار بين مجموعة مسلحة وحرس المحكمة الشرعية. اتهم أحمد من قبل أخي عيسى أنه سارق ويشارك في عمليات النهب التي يقوم بها عناصر الجيش الحر في المناطق الخالية من سكانها، لم يكن أحمد سوى فرد من تلك المجموعات ورغم أني لا أملك دليل أنفي أو أكد هذا الكلام إلا أني لا أجد فيه ما يعير فهكذا الحال في كل مكان تركه أهله ويدخله العسكر. كان لاستشهاد أخي محمد أثر في أصرار أحمد على الاستمرار في العمل مع الجيش الحر والقتال ضد النظام، فلم يستجب لطالبات الجميع بالمغادرة مع أسرته إلى تركيا والعمل هناك في مجاله القديم. في عام 2015 انتقل أحمد لقتال عدو جديد كان شديد الخطورة على الثورة ألا وهي ” داعش” حيث انتقلت مجموعته التي قامت بتشكليها مع بعض أصدقائه وبتمويل شخصي منه. لو صدقت أنه يسرق فعلي الاعتراف أنه وظف كل هذه الأموال في شراء السلاح وتمويل كتيبته التي كانت تقاتل النظام ومن ثم داعش. أحمد حارب على عدة جبهات، اتهم بالسرقة، ودع أحد أخوته، دفن الكثير من أصدقائه، استمر في رغبته في القتال ضد أعدائه وضد أعداء الثورة التي آمن بها. قتل أحمد بانفجار لغم أرضي في صبيحة يوم الخميس 30 – 06 – 2016 على جبهة برغيدة ضد داعش. لم تزل تفاصيل استشهاده غامضة فبعض ما نقل لي يؤكد أنها كانت عملية اغتيال فقد زرع له لغم في مكان اقامته انفجر فيه صباحاً بعد استيقاظه. أحمد هو الثورة التي نبعت من أفئدة المظلومين الباحثين عن الحرية، الثورة التي سرقت لتمول نفسها والثورة أخطأت والثورة التي رفضت الاستسلام، أحمد الثورة التي اغتيلت غدرأ على أيدي غريبة لا أحد يعرفها. أحمد هو الكعك الحلو وهو العيد وهو الثورة التي استشهدت. 30 – 07 – 2016

Tagged: , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: