علم النفس التطوري ومحاولة تفسير النزعة القومية لدى الامم

يكتب «بيير فاندنبيرغ» اكثر مؤيدي هذه المقاربة صراحة في مجال دراسات القومية: «تؤكد النظرية السوسيوبايلوجية المُتعلقة بالإثنية والعرق والقومية، أن هناك في الواقع ركيزة موضوعية ظاهرية لوجود مثل هذه الجماعات» من دون انكار حقيقة ان هذه الجماعات مُشكلة اجتماعياً وقابلة للتبدل ايضاً: «بأبسط التعابير الممكنة، يتمثل المشهد السوسيوبايلوجي لهذه الجماعات في أنها محددة جوهرياً بالتحدر من أصلٍ مشترك ويتم الحفاظ عليها بواسطة التناسل ضمن الزمرة الواحدة. ومن ثم، ليست الاثنية سوى القرابة بشكلها الصارخ الواضح المضخم»

السؤال الاساسي الذي طرحه علم الاجتماع هو: «لماذا تكون الحيوانات كائنات اجتماعية، اي لماذا تتعاون؟». الاجابة عن هذا السؤال، وفقاً لفاندنبيرغ, معروفة بالحدس البديهي منذ امد بعيد: «الحيوانات كائنات اجتماعية الى الحد الذي يكون فيه التعاون مفيداً بطريقة متبادلة». ويقدم فاندنبيرغ الحجة على ان مايفعله علم الاجتماع هو توفير الآلية الوراثية الرئيسة للنزعة الاجتماعية لدى الحيوان, اي «الاصطفاء القرابي» لزيادة اللياقة المتضمنة. تطور مفهوم الاصطفاء القرابي اولاً على يد «وليام دونالد هاملتون» عام 1964, لكنه بقي غامضاً بالنسبة الى علماء الاجتماع الى ان نشر كتاب «ادوارد ازبورن ولسون» (السوسيوبايلوجيا: توليفات جديدة) عام 1975, وكتاب «ريتشارد دوكنز» (الجينة الانانية) عام 1976.
يمكن لحيوان نسخ مورثاته مباشرة عبر تناسله هو, او بطريقة غير مباشرة عبر تناسل اقران يشترك معها في نسب محددة من المورثات. ولذلك يمكن ان نتوقع من الحيوانات التصرف بأسلوب تعاوني, ومن ثم تعزيز لياقة بعضها بعضاً الى الحد الذي تتصل به بقرابة وراثية. هذا هو معنى الاصطفاء القرابي.

يزعم فاندنبيرغ ان الاصطفاء القرابي, او التزاوج بين الاقارب, قوة تعزز النزعة الاجتماعية لدى البشر ايضاً. وفي الحقيقة, فإن الاثنية والعرق كليهما تعبيران موسعان لمصطلح القرابة: «لذلك تعد الاثنية والعرق من العواطف التي يجب فهمها بوصفها صيغة موسعة وضعيفة من الاصطفاء القرابي». بكلمات اخرى, ليست الجماعات الاثنية, والاعراق, والامم سوى (عائلات كبرى) من الاقرباء (البعيدين), الحقيقيين او المفترضين, الذين يميلون الى التزاوج في ما بينهم, ويرتبطون معاً بروابط عمودية بواسطة النسب تعززها روابط افقية عبر الزواج. وليس من المهم ان تكون هذه القرابة الموسعة افتراضية احياناً لا حقيقية. وعلى شاكلة الوحدات القرابية الاصغر, كثيراً ما تكون القرابة حقيقية بما يكفي «لتصبح ركيزة مؤسسة» لهذه العواطف القوية التي ندعوها القومية والقبلية والعرقية والمركزية الاثنية. في هذه الحالة, كيف نميز (قرابتنا)؟ وفقاً لفاندنبيرغ, فإن «قلة قليلة من مجتمعات العالم تستخدم اساساً السمات المرئية المورفولوجية (التكوينية) لتعريف ذاتها». ومن ثم, فان المعايير الثقافية للعضوية في جماعة ما اكثر بروزاً من المادية, اذا استخدمت هذه الاخيرة اصلاً. وبطريقة ما, يُعد ذلك حتمياً لأن السكان المتجاورين يتشابهون من حيث التكوين الوراثي (الجيني). ولون العيون في اوربا, كما يلاحظ فاندنبيرغ, مثال معبر هنا. فكلما اتجهنا شمالاً, تزداد نسبة العيون الملونة. (لكن لن يلاحظ اي انقطاع في اثناء الرحلة). من ناحية اخرى, يجب ان تميز معايير تحديد الاقرباء بطريقة اكثر موثوقية بين الجماعات لا ضمن الجماعات. بكلمات اخرى, «يجب على المعيار المختار اظهار التفاوت بين الجماعات لا ضمن الجماعات». وتلبي المعايير الثقافية, مثل الفوارق في اللهجة, والسمات الجسدية الثانوية وغيرها, هذه المطلب بصورة اكثر موثوقية من المعايير المادية. اللغة مفيدة على وجه الخصوص في هذا السياق, لان «الرابطة الاثنية يمكن توكيدها بسرعة عبر الكلام ولايمكن تزويرها بسهولة», كما يؤكد فاندنبيرغ.

يلاحظ فاندنبيرغ أن الاصطفاء القرابي لا يفسر النزعة الاجتماعية كلها لدى البشر, ويحدد آليتين اضافيتين: التبادلية والاكراه. (التبادلية: هي تعاون من اجل الفائدة المتبادلة, ومع توقع العائد, ويمكن ان تشتغل بين الاقراباء وغير الاقرباء. اما الاكراه: فهو استعمال القوة للحصول على منفعة وحيدة الجانب). تستمر التجمعات البشرية كلها في التنظم على اساس مبادئ النزعة الاجتماعية الثلاثة كلها. لكن (كلما اصبحت النزعة الاجتماعية اكبر واكثر تعقيداً تعاظمت اهمية التبادلية), كما يضيف فاندنبيرغ. فضلاً عن ذلك, بينما يكون الاصطفاء القرابي, الحقيقي او المفترض, اكثر هيمنة في العلاقات ضمن الجماعة, يصبح الاكراه القاعدة السائدة في العلاقات بين الاثنيات ( او الاعراق)؛ اذ ربما تدخل في الجماعات الاثنية بين الحين والاخر في علاقات تكافلية تبادلية المنفعة (التبادلية), لكنها تظل قصيرة الاجل؛ العلاقات بين الجماعات المختلفة عدائية في اغلب الاحيان.
يقر فاندنبيرغ بأن الجماعات الاثنية تظهر وتختفي, وتتوحد وتتفكك. لكن, كما يضيف مسرعاً, تبقى عمليات البناء واعادة البناء والتفكيك مرتبطة بحقيقة (النسب البايلوجي كما يدرك اجتماعياً). هذه البنية, (بيولوجيا التزاوج والانجاب البشري), مبكرة: (وجدت الاثنيات منذ فجر التاريخ). وربما نتحدث عن القومية, حين يتحول شعور بالانتماء إلى اثنية إلى مطالبة بالحكم الذاتي او الاستقلال السياسي. وبهذا المعنى, تصبح الامة مجرد (اثنية واعية سياسياً).

المصدر:
Theories of Nationalism: A Critical Introduction by Umut Ozkirimli (Author). P 114-116.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: