عزلة كتاب

يرتاح الكتاب على رف الخزانة بهدوء وسكينة، أو هكذا يظن الآخرون. يكسوه الغبار وما من يد دافئة تمسح عنه تعب عزلته، لا أحد يتذكره ولا يطلبه إلا من هو بحاجته ويريد أن يريح روحه بما يجود له به هذا الكتاب. مستسلماً لقدره الذي سلبه الحركة بعد أن أعطاه كل تلك المعاني التي يحملها، وكأن هذه العطية تبدو عقاب وزيادة في القسوة، فلو كان أجوف المحتوى لما ضجت في داخله كل هذه الأفكار والشخصيات التي لا تعرف كيف تستريح. يقلقه، وحال هذه، ويزيد أوجاعه عزلته عن الآخرين وعجزه عن التلقائية، فطاقته الكامنة بالأفكار والأحداث التي يضمها بين دفتيه تثقل كاهله وتضغط عليه، لا شيء يريح باله سوى أن يبوح للآخر، لذلك الغريب البعيد. مل في تجواله بين الأيدي من أولئك التائهون الذين يأتون ليصبوا همومهم على صدره وينسحبوا بعد أن يفرغوا منه. ما من أحد يقدر ظرفه الطارئ، كتاب له روح و ألف قصة، بل له من الأحاسيس والمشاعر ما يفتقده الكثيرون من البشر. في عتمة الليل المنسدل على غرفة المكتبة، الليل الذي يدوم أياماً وشهوراً، يرسم في ذهنه ألاف الروايات والقصص والأحاديث ليمتع بها من يحبهم ويظنهم يحبوه. لا شيء أكثر قسوة عليه من أن يكتشف أن أولئك يحبون قصصه أكثر من جوهر ذاته. وهو على حاله هذه، يعيش عزلة داخل أخرى، منذ أن أقنعه الآخرون أنه كتاب جميل ومفيد.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: