الصهيونية والكتاب المقدس

في حين يرى التفكير الشمولي المعاصر معاداة السامية شكلاً من أشكال التمييز الاجتماعي والقانوني والسياسي التي يتوجب أن تعالج دستوريًا من داخل مؤسسات الدول على أساس الحقوق المدنية، يرى تيودور هرتسل، أن حل المسألة اليهودية لن يتأتى عبر جعل البلاد المضيفة أكثر تسامحًا وليبرالية، بل بقيام دولة على أرض يهودية نقية و’منفصلة‘ يستطيع أن يعيش فيها اليهود متمتعين بالاحترام الكامل بسبب هويتهم اليهودية.ومع أن هرتسل نفسه كان مندمجًا كليًا، فقد رأى أن البلاد الأوربية غير قادرة على مسامحة اليهود، الذين أصبحوا غرباء منفرين كونهم شعبًا منفصلاً ومن خلال ممارساتهم غير المتكيفة مع الآخرين. وبلجوئه إلى الاستعمار القومي تحاشى حلاً دستوريًا يكفل الحقوق المدنية.

من خلال تصورات الصِّهْيَوْنِيَّة، في نهاية عقد التسعينيات من القرن التاسع عشر ومن خلال تطبيقاتها بعدئذ، ومع أنها متميزة في بعض الجوانب الحرجة، كانت ذات عقيدة سياسية تشترك فيها إلى حد كبير مع القوميات الأوربية والاستعمار الأوربي في القرن التاسع عشر. وتمشيًا مع العنصريات الأوربية السائدة التي حكمت على مختلف الشعوب وسكانها الأصليين بالدونية، قررت الصِّهْيَوْنِيَّة تحسين وضع اليهودية الدولية على حساب سكان فلسطين الأصليين. ولكي تحقق النجاح، تطلب برنامجها تأييد القوى الدولية الرئيسة، مبدئيًا بريطانيا، وفي وقت متأخر جدًا الولايات المتحدة. إن وجود دولة صديقة في شرق أوسط يعدُّ هامًا من الناحية الإستراتيجية وسيكون لها قيمة ملحوظة لمصالح السياسة الخارجية لبريطانيا أولاً وللولايات المتحدة فيما بعد.

ومع أن الغزو الصهيوني لفلسطين شكل عدة سوابق كان لها ملامح فريدة عدة(على سبيل المثال الاستيطان الأوربي لشمال أمريكا أو الاستيطان البريطاني في أستراليا ونيوزيلندا).فالترحيل وقع في غضون عقود بدلاً من وقوعه خلال قرنين أو ثلاثة. ثانيًا: وقع الاستعمار الصهيوني بعد فترة ازدهار الاستعمار الأوربي، في وقت بدأت فيه الأمم الأوربية المستعمرة باحترام حق تقرير مصير الشعوب الأصلية، وعندما بدأت فكرة الاستعمار نفسها تنهار. ثالثًا: الاستعمار الصهيوني بمعظمه جرى في عصر الوفرة في وسائل الاتصالات، مع أن الصِّهْيَوْنِيَّة وحتى وقت متأخر، تمكنت من تصوير نفسها ضحية بريئة تجني مكافآتها الحقة. لكن،وبصورة مميزة في معظمها، لاقى المشروع الصهيونيالاستعماري دعمًا دينيًا واسع الانتشار، مسيحيًا وكذلك يهوديًا، ونظر إليهفي معظم الدوائر اللاهوتية والدينية، على أنه متوافق مع النبوءة التوراتية، أو على الأقل لم يكن أكثر مما يستحقه الشعب اليهودي بفضل وعود الرب الواردة في الكتاب المقدس.

استمدت الصِّهْيَوْنِيَّة كثيرًا من زخمها من التفسير الحرفي لنظرة ‹الكتاب› للأرض وبعض نصوصه المسيحانية الخاصة بالمسيح المخلّص المنتظر، مع التفات قليل جدًا لحقوق السكان الأصليين. مع ذلك، وكوكيل لشرعية القانون الدولي، ما كان للاستنجاد الصهيوني بالتوراة بشرعية المطالبة بأرض إسرائيل أن يكون أكثر إثارة فيما لو قامت الحكومتان البرتغالية والإسبانية في يومنا هذا بتقديم مرسومين بابويين صادرين عن البابا نيقولا الخامس والبابا ألِكسندر السادس إلى الأمم المتحدة يزعمان فيهما أيضًا أن لهما سلطة سماوية، في مسعاهما من أجل استرداد أراضي العالم الجديد ‹ 346 : .‹Lamadrid1981 على أية حال، ليس ثمة من ادّعاء قادر على تحصيل وضع قانوني مطلق، بل يجب أن يفكر بالأمر ملّيًا بالاشتراك مع ادعاءات الآخرين.

أما فيما يخص السكان الأصليين لفلسطين من غير اليهود فإن المرء يكشف الارتباط بين المثل الواردة في ديباجة (إعلان استقلال إسرائيل) في الرابع عشر من أيار عام ( 1948 م) والثمن الحقيقي للمشروع:

       ” ستكون إسرائيل مفتوحة أمام الهجرة اليهودية وفي حشد من هم في المنافي.    ولسوف ترعى تنمية البلاد لصالح جميع سكانها: وستقوم على أساس الحرية والعدل والسلام كما تخيلّها أنبياء إسرائيل. وسوف تكفل المساواة التامة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لسكانها بغض الطرف عن دينهم ومعتقدهم ولغتهم وتربيتهم وثقافتهم، ولسوف تحمي الأماكن المقدسة لكل الديانات وتكون وفّية لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة.”

سيظهر من بعض صيغ النصر الصهيوني بأن أهل البلاد الأصليين ينبغي أن يدركوا طريقهم السلبي نحو الخلاص عبر عودة اليهود إلى الوطن.

وليس هنالك من شح في المثل الطوباوية لمنحة الرب بالوعد الذي قطعه لبني إسرائيل: “إن توحّد الشعب والأرض مقصود به الإسهام في تحرير العالم من الإثم ليصبح مملكة الرب Buber 1973: 47› “. وثمة إمكانية لاتهام أمم أخرى، سلبت الشعوب الأصلية ممتلكاتها، شرعًا باللصوصية:

         ” إن اتهامهم إسرائيل هي تهم باطلة تمامًا لأنها تصرفت بموجب تفويض وبمعرفة واثقة بصلاحياتها. لم يسمع شعب آخر قط بأمر جاءه من السماء وقبل به كما فعل شعب إسرائيل وما دام أنها قامت بتنفيذ الأمر بإخلاص فهي على حق، وهي على حق إلى الحد الذي لا تزال تنفّذه. إن علاقتها الفريدة بالأرض لا بّد أن ترى بهذا المعنى، حيث إن الأمر والإيمان موجودان، ففي مواقف تاريخية معينة ليس ثمة من داعٍ لعد الاستيلاء على الأرض لصوصية ‹ .‹Buber 1973: 146

فيما يخص أندريه نِيْهر أيضًا، تحمل فلسطين مفتاح الوجود اليهودي. وهو يكتب عن لاهوت الأرض ( geo-theology ) وسحره، ويؤيد الرأي القائل بأن الهجرة سوف تقصّر من زمن خلاص العالم بأسره وزمن عودة المسيح المنتظر ‹ 1992 : 23 – 22 ›. لكن لا بد من إطاعة المعتقدات الروحية والخلقية للتوراة، وإلا ستلفظ الأرض إسرائيل خارجًا، كما لفظت الكنعانيين من قبل “لمن ائتمنهم الله عليها في لحظة رعناء متسرّعة Neher 1992: 20› “. إن إسرائيل وكيلة المصالحة الجماعية بين اليهود والمسيحيين والمسلمين، وما هو مقدس وما هو ممتهن للقداسة، واليهود الذين يتباينون في توقعاتهم لزمن عودة المسيح المنتظر ‹ 1992 : 29 – 27 ›. إن الوقع التصالحي لمشروع العودة إلى صهيون لا تجعلني مستبشرًا كما يجب من خلال المنظور الذي أتطلع عليه وأنا أكتب، وألحظ نقاط التفتيش بين ’حدود‘ بيت لحم والقدس وهي محاطة بالشاخصات الكثيرة التي تدّلل على النهب الاستعماري، كما أشاهد أيضًا الإذلال اليومي للسكان الأصليين، لحملهم على معاناة الاغتراب والمنفى في داخل وطنهم.

لاشك في أن المؤسسة الدينية اليهودية، مع أنها اعتنقت الصِّهْيَوْنِيَّة في وقت متأخر، فإنها اليوم تدعم بشكل تام إنجازاتها. فدولة إسرائيل هي، لدى عدد من اليهود المتدينين، »التعبير الجماعي الأقوى « لليهودية و »التطور الأهم في حياة اليهود منذ المحرقة « هذا ما جاء على لسان الحاخام الأكبر في بريطانيا (جوناثان ساكس). إضافة إلى ذلك، فان الجناح المتدين هو في طليعة المعارضين للتسوية والسياسية ” التوفيقية ” وهو تعبير ملطّف لعودة الأمور إلى وضعها السابق مع الفلسطينيين، عدا عدد قليل من الحاخامات المتطرفين الأرثوذكس الذين يؤيدونها، وعدد كبير ممن هم في طليعة الراغبين في تدميرها. الأمر المثير للاهتمام أن اليهود المتدينين لا يقيمون إلا اعتبارًا قليلاً للسكان الأصليين الذين دفعوا ثمن قيام إسرائيل، كما فعل يشوع الذي لم يقم اعتبارًا لهم حسب السرد الوارد في ‹الكتاب›.

لقد قوّضت حقيقة النكبة التي حلت بالسكان الأصليين اللغة المنمقة للخطاب المقدس عن إنجازات الصِّهْيَوْنِيَّة. فقد نجم عن قيام دولة إسرائيل إجلاء غالبية السكان الفلسطينيين وتدمير معظم قراهم والاستخدام المتواصل للقوة وحالة الإرهاب والحروب والعمليات العسكرية. فالإذلال اليومي للسكان الأصليين وارتكاب الأعمال الوحشية الأخرى بشكل متكرر تلقي بظلالها على إنجاز حلم التفوق العرقي لدولة يهودية قومية استعمارية في القرن التاسع عشر. إن أشد ما يبعث على الأسى من المنظور الديني والخلقي هو أن الدعم المعتقدي الرئيس للإمبريالية الصِّهْيَوْنِيَّة والعقبة الكأداء التي تقف في وجه معاملة السكان الأصليين باحترام يأتي من الدوائر الدينية التي ترى في القصص التوراتية عن الأرض أمرًا تقريريًا ملزمًا. إن التصرف السيئ للصهاينة في عام ( 1913 م) تجاه الفلسطينيين جعل أحاد هاعام يخشى المستقبل إذا ما وصل اليهود إلى السلطة: “إذا كان ذلك هو المسيح المنتظر فإني لا أرغب في رؤيته آتيًا”

Tagged: , , , , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: