الأحزاب السياسية في سورية

الأحزاب السياسية في سورية

محمد نجاتي طيارة(*)

في أواخر العهد العثماني:

منذ أواسط القرن التاسع عشر، وفي ظل إصلاحات “التنظيمات” وتفاعلات التثاقف مع الغرب في مجتمع الامبراطورية العثمانية المتأخر والمتعدد الثقافات، بدأ نشاط النخب العربية الشامية بالتعبير عن نزوعات اليقظة القومية. تجلى ذلك في البدء، عبر نشاط إحيائي قامت به حلقات وجمعيات ثقافوية. ثم تطور إلى نشاط سياسي عبر أشكال علنية أو سرية متناسبة مع هوامش الانفراج أو عودة الاستبداد، بخاصة في العهد الحميدي والتتريكي.

في ذلك السياق(1)، حملت المنشورات المعلقة عام 1880 لجمعية بيروت السرية والمحدودة أول بيان مدون عن البرنامج السياسي الاستقلالي للعرب في بلاد الشام. وتلا ذلك نشاط جمعية الشورى العثمانية المنطلقة من القاهرة عام 1897. أما بعد ثورة 1908، فقد تصاعد النشاط العلني لجمعيتي الإخاء العربي العثماني والمنتدى الأدبي، وما لبث أن عاد إلى السرية إثر إعدامات الشهداء الشهيرة. كما امتد إلى المجال العسكري في أنشطة جمعيات كالقحطانية والعهد والعربية الفتاة، حيث شاركت الأخيرتان في التحضير للمؤتمر العربي الأول (باريس 1913) إلى جانب جمعيات إصلاحية وأحزاب أخرى علنية، كحزب اللامركزية الإدارية العثماني، ثم في استعدادات الثورة العربية الكبرى.

في عهد الحكومة العربية ـ الفيصلية:

خلال العهد القصير لتلك الدولة (5 تشرين الأول 1918 ـ 24 تموز 1920)، شهدت سورية نشاطاً سياسياً خصباً وحياة برلمانية، ظهرت خلالهما الأحزاب السياسية التالية(2):

حزب الاستقلال: تأسس في دمشق (5 شباط 1919)، كمظهر سياسي علني لجمعية العربية الفتاة السرية، التي كانت حزباً حاكماً في الواقع، وضمت معظم رجال الحكم، بينهم الأمير فيصل، في حين سميت الهيئة البرلمانية لها بحزب التقدم.

حزب الاتحاد السوري: تأسس في القاهرة عام 1918، بين الأعضاء السوريين من حزب اللامركزية، وهدف إلى تكوين سورية بوحدتها القومية وحكومتها الديمقراطية. ثم أنشأ عبد الرحمن الشهبندر فرعاً له في دمشق خلال العهد الفيصلي.

إلى جانب ذينك الحزبين، تشكلت أحزاب صغيرة كانت محدودوة الدور، كالحزب الديمقراطي المعارض والحزب الوطني الدستوري، المعروف بحزب الذوات، الذي دعا إلى الملكية المقيدة، ووقف مع الملك فيصل في مسايرته للفرنسيين. أما الظاهرة السياسية المتميزة، فكانت في تشكيل اللجنة الوطنية العليا، التي تألفت من مندوبي الأحزاب وممثلي الأحياء، وترأسها الشيخ كامل القصاب، بهدف تنظيم المقاومة الشعبية ضد الفرنسيين.

في عهد الاستعمار الفرنسي:

بعد احتلال سورية وفرض الأحكام العرفية من قبل سلطات الانتداب الفرنسي، تمت مصادرة الحياة السياسية الوليدة، فلجأ بعض المعارضين السوريين إلى البلدان العربية المجاورة. وبفضل نشاط حزب الاتحاد السوري، المنطلق مجدداً من القاهرة، انعقد المؤتمر السوري العام في جنيف عام 1921. انتهى إلى تشكيل اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني التي تابعت قضايا الاستقلال على الساحة الدولية.

أما في الداخل، وبعد حوالي عام من الاحتلال، أسس بعض المثقفين العائدين منظمات سرية كانت أشبه بالعصب الأخوية، كالقبضة الحديدية أو الحزب الحديدي بقيادة عبد الرحمن الشهبندر في دمشق وبعض المحافظات، وجمعية الكف الأحمر بقيادة سعد الله الجابري في حلب. أدى ذلك النشاط إلى سجن بعض الزعماء في جزيرة أرواد(3).

كما تأسس الحزب الشيوعي السوري على يد يوسف يزبك وفؤاد شمالي وبعض المثقفين وعمال التبغ عام 1924 في قرنايل ـ لبنان. وسرعان ما اندمجت في قيادته عصبة سبارتاكوس الأرمنية والشيوعي اليهودي تيبر(4). تعرض الحزب لحملة اعتقالات ونفي جراء تأييده الكامل للثورة السورية الكبرى، منسجماً بذلك مع استراتيجية الكومنترن، الداعية إلى تحرير المستعمرات. لكن تغير تلك الستراتيجية في مرحلة النضال ضد الفاشية والنازية، دفعه إلى الموافقة على سلب لواء اسكندرون، في إطار تأييد سياسة التفاهم والمعاهدة مع فرنسا ـ الجبهة الشعبية(5)، مما أضاف غربة أخرى على غربة الحزب، الناجمة عن الأصول الأقلياتية لبعض قياداته من جهة، ومفارقة عقيدته الحداثية للعقائد التقليدية الراسخة.

إثر رفع الأحكام العرفية عام 1925، عادت الحياة السياسية. فنشط حزب الاستقلال من جديد، كما ظهر بين عامي 1928 و1934 ما يزيد على خمسة وعشرين حزباً صغيراً، لم يتبق منها أي كيان سياسي لاحقا(6). كان من أبرزها أحزاب: الإصلاح والاتحاد الوطني والأمة الملكي والحر الدستوري. وقد وقف معظمها على يمين الكتلة الوطنية، بينما وقف على يسارها أنصار الشهبندر من الاتحاد الوطني العام وتحولاته مع الجبهة الوطنية المتحدة إلى الهيئة الشعبية. لكن أهم الأحزاب الجديدة كانت التالية:

حزب الشعب: تشكل عام 1925، نتيجة لتوحيد وفدي دمشق وحلب، اللذين طالبا المفوض السامي بحرية التعبير وتحقيق أماني البلاد في الاستقلال. ضم بين صفوفه نخبة من المثقفين وملاك الأراضي واعتبر أول تجمع منظم للبرجوازية السورية بعد الاحتلال(7). كان أهم منافسي حزب الاستقلال، كما اكتسب شعبية واسعة بتأثير كاريزما زعيمه عبد الرحمن الشهبندر. كانت مشاركة الأخير مع بعض زعماء الحزب في الثورة السورية الكبرى، سبباً في حل الحزب وملاحقة أعضائه.

الكتلة الوطنية: بعد خمود الثورة السورية الكبرى (1925 ـ 1927) وتفاقم الخلافات بين الوطنيين السوريين، من علمانيين ذوي ميول هاشمية وإسلاميين ذوي ميول سعودية، خصوصاً في إطار المؤتمر السوري الفلسطيني(8)، قام هاشم أتاسي بالدعوة إلى مؤتمر وطني عام في بيروت. تمخض المؤتمر عن ولادة الكتلة الوطنية التي ضمت أطرافاً من حزبي الاستقلال والشعب، متفادية الزعيم الشهبندر ومن شارك في الثورة المسلحة، ومتعاونة في ذلك مع التساهل الفرنسي. لكن الكتلة الوطنية بقيت مجرد اجتماع سياسي موسمي، ولم تتطور إلى مستوى الحزب السسياسي المنظم حتى عام 1932، حيث أقرت قانونها الأساسي الذي عبّر عن نظرتها إلى نفسها كوكيل للأمة(9)، وعكس بوضوح، ضعف دور البرجوازية الناشئة وقوة الدور الإقطاعي في تركيبها(10). لكن الكتلة خاضت، على الرغم من ذلك، نضالاً دستورياً شاقاً ضد سلطات الانتداب، وكانت وراء الإضراب الوطني الكبير لعام 1933، كما عملت على إقرار الميثاق الوطني لعام 1936، وقادت مفاوضات المعاهدة لذلك العام ثم تعديلاتها لعام 1939. أدّت سياسات التفاهم مع فرنسا، مع نتائج اقتطاع لواء اسكندرون، إلى تراجع شعبيتها وانحسار دورها تدريجياً.

عصبة العمل القومي: تولدت عن مؤتمر دعت إلى عقده، في قرنايل بلبنان عام 1933 مجموعة من الشباب المثقف. تميزوا بإصدارهم أول برنامج قومي عربي(11) استهدف العمل من أجل الوحدة العربية الشاملة والسيادة والاستقلال المطلقين. كان مركز العصبة دمشق وترأستها لجنة تنفيذية لها سكرتير عام وفروع في عدة مدن لبنانية وسورية منها الاسكندرون. لقي برنامجها المثالي تأييداً كبيراً بين المثقفين والجماهير، كما تعاظم نموها بفضل ثلاثة مصادر: تنظيم شباب الكتلة الوطنية والحركة الكشفية والمدارس الثانوية الرسمية(12). في حين تميزت بسياستها المتطرفة والمعارضة لسياسة المراحل، أدى رفضها لمعاهدة 1939 إلى انشقاقها. وما لبث “تكتل العصبة الذي جمعته نشوة التطرف” أن تبدد أمام ممارسة المسؤوليات والمناصب. أما موقفها من قضية لواء اسكندرون، فقد تسبب منذ عام 1939 في أكبر الضربات التي تلقتها. وسرعان ما “أخمدت هذه الشعلة القومية، بالسرعة التي توهجت فيها”(13)، لكنها كانت بلا شك أهم مصادر توريث من جاء بعدها، من أحزاب قومية ودعاة قوميين.

الحزب السوري القومي: أسسه سراً أنطون سعادة بين طلابه في الجامعة الأميركية ببيروت عام 1932، ثم بدأ الإعلان عنه ونشر أفكاره عام 1935، فتعرض من ذلك الحين للسجن والملاحقة. انطلق هذا الحزب من وحدة الأمة السورية، التي تحددها البيئة الطبيعية الواحدة، ودعا إلى تطبيق المبادئ الإصلاحية الخمسة(14) التي تقوم، ثلاثة منها على العلمانية، والرابع على إلغاء الإقطاع وتنظيم الإنتاج والعمل، أما الخامس فيرمي إلى إعداد جيش قوي، كان بداية لإعداد أعضاء الحزب، متأثراً في كل ذلك بنماذج الفكر الألماني الناهض حينها. انعكست رؤيته الوطنية في تأييده وحدة سورية الكبرى ومعارضته للمعاهدة مع فرنسا. لكن ذلك لم يخفف من عزلته؛ التي أدى إليها تعارض نزعته الإقليمية مع المشاعر القومية العروبية الواسعة الانتشار حينها.

الإخوان المسلمون: انتقلت دعوتهم من مصر إلى سورية، فتأسست جمعياتهم الأولى تحت أسماء مختلفة في عدة مدن سورية اعتباراً من عام 1936، وأخذت طابع الدعوة الخيرية والثقافية. فأنشأت في عدة محافظات مدارس المعهد العربي الإسلامي و لجاناً متنوعة وداراً للطباعة وصحيفة المنار في دمشق، وشركة للنسيج في حلب(15).

ثم بدأت تجتمع في مؤتمرات قطرية عامة ودورية، تعارفت في ما بينها على التسمي بشباب محمد. وفي مؤتمرها الخامس، المنعقد عام 1944 بحلب، توحدت تحت اسم (الإخوان المسلمون في سورية ولبنان)، وانتخبت لجنة مركزية و د. مصطفى السباعي مراقباً عاماً. فكان هذا المؤتمر بداية التحول من نموذج الجمعية الخيرية إلى نموذج المنظمة الحزبية الحديثة، متزامناً مع تحول التنظيم المصري للجماعة إلى تنظيم إسلامي عالمي(16).

في مراحل ما بعد الاستقلال:

بعد حصول سورية على استقلالها، وجلاء الفرنسيين في عام 1946، شهدت البلاد فترة خصبة من الحياة السياسية الدستورية، على الرغم من تقطعها مع توترات وفترات، كان من أبرزها قيام أربعة انقلابات عسكرية في ما بين 1949 ـ 1951. أما الانقلاب الخامس في1954، فقد عمل بتوافق بين القوى السياسية والعسكرية على هدي ميثاق حمص، والعودة إلى الحياة البرلمانية التي استمرت حتى عهد الوحدة. خلال مجمل مرحلة ما بعد الاستقلال تلك، سيطرت في البداية الأحزاب التقليدية (كالكتلة الوطنية ـ الحزب الوطني، وحزب الشعب)، ثم تراجعت مع غيرها من الأحزاب الناشئة والسلطوية (الحزب التعاوني الاشتراكي ـ حركة التحرير العربية) بالمقارنة مع نمو الأحزاب الأخرى والقوى الجديدة؛ التي تبلورت في المراحل اللاحقة (الوحدة، الانفصال، ما بعد 8 آذار 1963 وحتى مطلع القرن الواحد والعشرين) وتوزعت على الاتجاهات الرئيسة التالية:

أولاً ـ الاتجاهات القومية:

حزب البعث العربي الاشتراكي: تكوّن حزب البعث العربي نتيجة لاندماج حركة الإحياء العربي بزعامة عفلق والبيطار مع حزب البعث بزعامة الأرسوزي. عقد مؤتمره التأسيسي في دمشق 1947، حيث وضع دستوره الذي كان أشبه بالبيان القومي(17)، واعتبر نفسه “أمة مصغرة للأمة الصافية السليمة الراقية التي كان يريد أن يبعثها. فحاول أن يجسد ذلك في طوره الأول كوحدة تنظيمية قومية التركيب والأهداف”(18). وحين اقتصر نشاطه على أوساط المثقفين والطلاب حتى عام1953، فقد تغير ذلك، عندما اندمج مع الحزب العربي الاشتراكي بزعامة الحوراني؛ الذي أكسبه بنية الفئات المتوسطة والريفية الفقيرة نسبياً من جهة، وصبغة الثقافة الديموقراطية والاشتراكية ذات الطابع الفلاحي من جهة أخرى. فأصبح اسمه بعد الاندماج: حزب البعث العربي الاشتراكي، وأخذ تنظيمه شكلاً هرمياً انتشر في عدة أقطار عربية، بخاصة في العراق.

أما دوره السياسي فقد تعاظم مع دخوله اللعبة البرلمانية، على الرغم من أنه كان يبدأ بالتحالف مع الانقلابات العسكرية لينتهي ضدها. عاكساً بذلك تناقض الايديولوجيا العفلقية عن الحزب؛ التي كانت ترى فيه حزباً قوميا انقلابياً شاملاً، في نفس الوقت الذي كانت تعلن فيه احترام الحريات الأساسية للفرد، وتمسكها بالنضال الليبرالي الديمقراطي(19).

واجه الحزب أول أزماته الداخلية في المؤتمر القومي الثاني، تحت ضغط مشكلتي الزعامة ووحدوية التنظيم، عاكسة بذلك بدء توترات العلاقة بين القطري والقومي في الحزب(20). أما على الصعيد السياسي، فقد ساهم الحزب بفعالية كبيرة في قيام الوحدة السورية المصرية في شباط 1958. استجاب مؤتمره القومي الثالث (أيلول 1959) لقرار حل الأحزاب، بحجة إفساح المجال السياسي لقيام الاتحاد القومي بديلاً عنها. لكن مؤتمره القومي الرابع (آب 1960)، عاد فأدان قرار الحل، وهاجم حكام الوحدة، بعد تفاقم الخلافات بين قادة الحزب وحكم عبد الناصر التي كانت قد خرجت إلى العلن ووصلت إلى حد استقالة الوزراء البعثيين ومهاجمتهم إعلامياً.

مع حدوث الانفصال، تشظى الحقل التنظيمي والسياسي للبعث، فعبّرت عن ذلك صراعات المؤتمر القومي الخامس وما حوله (1962)، حيث برزت تيارات (القيادة القومية، وحدوية، انفصالية، مجموعة جريدة البعث الوحدوية النقدية، التنظيم العسكري)(21).

بعد قيام البعث العراقي وحلفائه بإسقاط نظام قاسم في 8 شباط 1963، تمكن البعث السوري وحلفاؤه (الناصريين والمستقلين) من إسقاط نظام الانفصال في 8 آذار 1963، على الرغم من أنه لم يكن يضم في تنظيمه المدني أكثر من 350 عضواً حينها(22). بدأ يومه الأول بإعادة فرض حالة الطوارئ والأحكام العرفية. وسرعان ما آلت الإقصاءات المتبادلة والمناورات بين الحلفاء إلى انفجار التناقضات بينهم إثر فشل مشروع استعادة الوحدة. فأدت حروبهم الداخلية إلى سيطرة تحالف (القيادة القومية والتنظيم العسكري) على السلطة والحزب.

من هنا، حاولت سلطة البعث الهروب إلى الأمام. فرداً على انهيار ميثاق 17 نيسان، لجأت إلى خطاب يساري واستبدلت الوحدة الثنائية بالوحدة الثلاثية، والإلحاح على الطريق الاشتراكي بدلاً من الإلحاح على الوحدة. ثم عادت للعزف على نغمة الديكتاتورية الفردية، وابتزاز عبد الناصر في الموضوع الفلسطيني(23). أما على صعيد الحزب، فقد شهد المؤتمر القطري الأول (آب 1963) ازدياد قوة العسكريين، الذين كانوا العامل الحاسم في ترجيح سيطرة ما دعي بالجناح اليساري. وعندما عقد المؤتمر القومي السادس (تشرين الأول 1963)، الذي أصبح بحق مرحلة فاصلة في تاريخ الحزب، وجدت مختلف الأجنحة في التقرير العقائدي الجديد (بعض المنطلقات النظرية) حصانها الإيديولوجي. فإذ رأى فيه اليسار اشتراكيته العلمية، استراح فيه التنظيم العسكري لموضوعة الجيش العقائدي ودوره في البلدان المتخلفة، ومررته القيادة القومية بشرط أن يكتب له عفلق مقدمة أخرى بديلة(24)، بينما عثر فيه الجميع ـ أخيراً ـ على مبتغاهم السلطوي في نظرية الحزب القائد.

لم يتأخر رد اليمين طويلاً على نتائج المؤتمر القومي السادس. ففي 11 تشرين الثاني 1963 فرض عسكريو العراق قيادة جديدة على الحزب، وطردوا القيادة السابقة خارج البلاد. وما هي إلا أيام قليلة حتى انقلبوا على كامل الحزب وطاردوه في مختلف أرجاء العراق. أما في سوريا، فقد وجدت القيادة القومية فرصتها في المؤتمر القطري الاستثنائي (كانون الأول 1963)، حين تحالفت مع العسكريين وطردت رموز اليسار، ملقية عليهم مسؤولية النكسة العراقية. ثم عملت، في جو متوتر وخلافي، على عقد دورة استثنائية للمؤتمر القومي السادس، دعيت لاحقاً بالمؤتمر القومي السابع (الاستثنائي) ـ شباط 1964، نظراً لغياب المقاطعين من أغلبية أعضاء المؤتمر القومي السادس. فبادرت لدعوتهم، لجنة تحضيرية تمحورت حول حمدي عبد المجيد رئيس المؤتمر، إلى عقد مؤتمر قومي مقابل، دعي بالمؤتمر القومي السابع اليساري ـ آب 1964. وسيكون هذا المؤتمر منطلقاً لتشكل تيار البعث اليساري، ومن ثم حزب العمال الثوري العربي لاحقاً(26).

بعد طرد اليسار، سيطر تحالف القيادة القومية والتنظيم العسكري على السلطة والحزب، فدخل البعث مرحلته الثانية، التي شهدت صراعاً سياسياً وفكرياً بين طرفي التحالف. استمر هذا الصراع حتى قيام حركة 23 شباط 1966؛ التي أصبحت فيها القيادة القطرية مرجعاً نهائياً، وأخرجت تيار القيادة القومية من الحزب ومن سوريا. فانتهت بذلك وحدة الحزب على الصعيد القومي.

بسيطرة القيادة الشباطية، دخل البعث السوري مرحلته الثالثة. وعندما وجد عزلته تزداد مشرقياً وعربياً، أوغل في مزيد من اليسراوية. فاتخذ على صعيد التنظيم شكل منظمة الكادر أمام ضيق جماهيريته، واستبدل بالترييف ضعف قاعدته المدينية، ثم تقرّب من السوفييت داخلياً وخارجياً. كما لجأ عربياً إلى شعار حرب التحرير الشعبية؛ فوجد فيها فرصة لتهريب جيشه النظامي، الذي كان بالأصل قد فقد كثيراً من جاهزيته، المشبهة بخط ماجينو أمام إسرائيل، عبر التصفيات المنهجية لهيئات ضباطه، في الصراعات ضد الناصريين والمستقلين وأجنحة البعث المختلفة(26).

هكذا وجدت إسرائيل فرصتها السانحة لشن عدوان حزيران، بعد أن خضعت مصر الناصرية للابتزاز اليسراوي، فأغلقت مضائق تيران وطلبت سحب البوليس الدولي. وعندما أناخت الهزيمة بثقلها على الأمة العربية، دفعت مفاعيلها ـ بعد أزمة أيلول الأسود ووفاة عبد الناصر ـ إلى تفاقم التناقضات داخل البعث السوري، في ما عرف بأزمة الحزب؛ التي حاول المؤتمر القومي العاشر 1968 ودورته الاستثنائية 1970 الالتفاف عليها. فأدت حصيلة الصراع بين أطرافها إلى قيام الحركة التصحيحية في 16 تشرين الثاني 1970، بقيادة اللواء حافظ الأسد. وبذلك دخل البعث السوري مرحلته الرابعة.

بعد أيام من حركته، شكّل الأسد حكومة وحدة وطنية، بدأت بتطبيق سياسة تضامن عربي وعززت التعاون مع السوفييت. أما الحزب فقد حاول إخراجه من عزلته باتجاه المدن، ونحو شكل منظمة الجماهير، فضاعف عدد أعضائه العاملين نحو ثلاث مرات حتى عام 1974(27). وسرعان ما تكرّست زعامة الأسد في المؤتمرين القطري الخامس والقومي الحادي عشر 1971، فسمي قائداً للمسيرة، وأصبح رئيساً في الاستفتاء العام 1972. استكمل التركيب الجديد للمؤسسات السياسية، في جبهة وطنية تقدمية ملحقة ومجلس شعب وأخيراً في دستور دائم، كرّس الحزب قائداً للدولة والمجتمع. وعلى الرغم من محاولته في هذه الأنماط، أن تكون وسطاً ما بين النسق التعددي ـ الليبرالي وبين النسق الأحادي الحزبي، فقد أخذ حكمه طابعاً شخصياً، نظراً لمحافظته “على تركيز هائل للقوى في المركز، وكان في النهاية وحده صاحب القرار”(28).

عبر الأحداث الكبرى اللاحقة: حرب تشرين، الحرب الأهلية اللبنانية، الصراع مع الإخوان المسلمين، حربا الخليج الأولى والثانية، تمكن الأسد من تدعيم نظامه وتوظيف النزوع الاستراتيجي لسورية الكبرى، فأصبح لها دور إقليمي لافت.

أما على صعيد الحزب، فقد أدت سياسة التبعيث وبناء الجيل العقائدي إلى تضخم عدد أعضائه، حتى وصل في عام 2001 إلى مليون وربع عضواً. وارتباطاً مع علاقته المشرعنة بقيادة الدولة والمجتمع، فلم ينتج عن ذلك امتصاص الحقل السياسي للمجتمع، بل نقل صراعات ذلك الحقل إلى داخله، على الرغم من تجليها بأشكال مختلفة، كالجهوية والمناطقية والطائفية ومراكز القوى والزعامات (تنظيم النقباء، مشكلة رفعت الأسد). وبالإضافة إلى عدم تجدد دورة الحياة الداخلية للحزب وتوقف مؤتمراته القطرية لمدة خمسة عشر عاماً، منذ مؤتمره لعام 1985ـ الأمر الذي كرّس استمرار القيادة القطرية لنفس المدة ووزارة الزعبي لثلاثة عشر عاماًـ فقد تحوّل البعث “إلى حزب سلطة هامشي بدلاً من أن يكون حزب مجتمع”(29). أفسح ذلك كله المجال واسعاً لتفاقم ركود اقتصادي وفساد، كانت أهم عناوينه انتحار الزعبي، مقابل تضخم دولة أمنية، كان رمزها يتماهى مع ألقاب المطلق، في حين كان مجتمعها يزداد هامشية وإيغالاً في الخروج من التاريخ.

لكن مع بداية القرن الواحد والعشرين، وبعد رحيل الرئيس الأسد، يبدو أن سورية لم تعد تستطيع البقاء بعيدة عن روح العصر. فقد هبت رياح التغيير، وعقد المؤتمر القطري السابع للحزب في صيف 2000، وعادت دورته الانتخابية، فأصبح الصراع مفتوحاً بين خياري التغيير والاستمرارية، على الرغم من كل محاولات التوفيق بينهما.

الوحدويون الاشتراكيون: بدأت هذه الحركة كتيار داخل قيادات الصف الثاني من حزب البعث، جمعه الاستياء من المواقف الانفصالية لقيادات البعث. وتبلور في تكوين الطليعة الوحدوية الاشتراكية بعيد الانفصال، ثم أخذ اسم حركة الاشتراكيين العرب في المؤتمر التأسيسي (أوائل 1962) الذي حضره خمسون قيادياً كان معظمهم من حلب، انتخبوا سامي صوفان أميناً عاماً للحركة(30).

نمت الحركة سريعاً، نظراً لخبرة أعضائها التنظيمية السابقة، ونادت بالوحدة الفورية، فتمكنت من اكتساب أوسع الجماهير، معززة بدعم الإعلام المصري لها. أصبحت محوراً أساسياً للحركة الوحدوية الناصرية ونشاطاتها، فبلغ عدد أعضائها حوالي 35 ألف عضو عشية سقوط الانفصال(31).

بعد 8 آذار 1963، شاركت في الوزارة وفي الوفد السوري لمباحثات 17 نيسان، كما كانت قوة رئيسة في مختلف تحركات القوى الناصرية وضغوطها. لكن العلاقات بينها وبين البعث بقيت بين مد وجزر، اختلفت عناوينه بين حوار حول العودة إلى الحزب وبين اتهام بالتآمر والعمل ضده. إلى أن شاركت في تأسيس الاتحاد الاشتراكي السوري (1964) ثم انسحبت منه، وعقدت مؤتمرها الثالث (1965)، الذي أقر ميثاقاً ونظاماً داخلياً قدمهما فايز اسماعيل، الأمين العام الجديد. فكان ذلك الانسحاب سبباً في خسارتها الأولى لقسم هام من تنظيمها ومحيطها الشعبي. توالت تلك الخسارة عند تعاونها مع السلطة الشباطية، ثم مع الحركة التصحيحية الذي كان يجد تبريره في حجة النضال الإيجابي. فشهدت الحركة عدة حالات من التصدع تمثّل أخيراً عند مشاركتها في جبهة النظام وحكومته. ذلك إلى جانب شق آخر تشكّل عام 1975 وأخذ اسم الحزب الوحدوي الاشتراكي الديموقراطي، بزعامة أحمد الأسعد، بعد أن كانت قد حملت هي الأخرى اسم حزب الوحدويين الاشتراكيين منذ مؤتمرها الحادي عشر (1972). وفي الواقع لا يمكن، منذ عودتها للتعاون مع البعث، تمييز فروق مبدئية إيديولوجياً أو سياسياً، سواء بينها وبين البعث أو بينها وبين الحركات الناصرية المنشقة عنها أو الموازية لها، والمشاركة في جبهة النظام.

حزب العمال الثوري العربي: تكوّن هذا الحزب نتيجة لحسم المؤتمر القومي الثامن للبعث اليساري خياراته (1965)، بتأكيد راديكاليته وطابعه الطبقي ووحدويته. وذلك نتيجة تحليله لجذور أزمة الثورة العربية التي رأى أنها كامنة في عجز القيادة البورجوازية الصغيرة(32).

منذ الإعلان عن تأسيسه ورؤيته الخاصة للماركسيةـاللينينية، المستندة على دراسات ياسين الحافظ والياس مرقص، واجه السياسات الحاكمة في كل من سوريا والعراق وانبرى للتحذير من الحلول الانقلابية في مواجهة المأزق السوري المستمر لما بعد تموز 1963. فانتهزت السلطة الشباطية فرصة التوتر الناشبة إثر مؤامرة أيلول 1966، وقامت بمطاردة الحزب واعتقال عدد كبير من كوادره وأنصاره في كامل القطر..

بعد هزيمة حزيران، التي رأى فيها اختباراً كلياً لبنى الأمة(33)، وقف حزب (ع) ضد النزعة اليسراوية ومشتقاتها في حرب التحرير الشعبية والفدائية، المتجلية عملياً في تهريب الجيوش النظامية وبقية طاقات الأمة. وبخاصة عندما طرح مشروع روجرز وأدى موقف عبد الناصر منه إلى هيجان اليسراويين العرب، حيث تميزت قيادة حزب (ع) هنا برؤية صاحية للمسألة، رغم توفيقية فرعه السوري(34).

أما عند قيام الحركة التصحيحية، فقد اتخذ حزب (ع) موقفاً إيجابياً منها، ورحّب بطروحات القيادة القطرية المؤقتة حول إقامة جبهة تقدمية، كما شارك في الحوارات التمهيدية لها. لكنه سرعان ما انسحب منها، عندما لاحظ الإصرار على المسار الإلحاقي لها، والذي أدّى مستقبلاً إلى انشطار القوى المشاركة فيها، وتشرذمها(35).

أتى المجلس القومي الثالث للحزب المنعقد صيف 1973، تحت وطأة استمرار الهزيمة، وتكريسها في انهيار الناصرية، ليشكل منعطفاً جديداً في تناوله لقضايا التأخر والإيديولوجيا، واهتمامه بالسيرورة التاريخية للثورة الديمقراطية، وتنمية الوعي والدراسة الحزبيين.

وحين فاجأت حرب تشرين الجميع، رحب الحزب بنتائجها على محدوديتها ورأى في الوقائع الصغيرة لسلوك المواطن العربي خلال الحرب، تباشير مجتمع مدني جديد(36) طالب بالانطلاق منه. أما تقرير المجلس القطري السوري الرابع 1976، فقد انصب على “اعتبار تحديث وعقلنة وكوننة وعي الانتلجنتسيا العربية مقدمة لابد منها لتعديل ميزان القوى لصالح العرب” (..) “وتعميق وتجذير النقد من السطح السياسي إلى عمارة المجتمع”. استكملت هذه المراجعة أطروحات المجلس القومي الرابع نحو وعي نقدي للهزيمة، التي سيتجلى خطها تباعاً في غلبة الطابع التنويري على الطابع السياسي في نشاط الحزب في كل من سوريا ولبنان. لكن الحزب أصيب برحيل أبرز قادته (ياسين الحافظ) عام 1978. ورغم استمرار جريدته المركزية بالصدور لبعض الوقت، فقد توقفت هيئاته القومية عن الانعقاد حتى عام 1993. عند نشوب أزمة 1979 في سوريا، تصدى لها واقترح “البدائل الديمقراطية والعلمانية التي تتيح ليس فقط تجاوز التكسير المجتمعي المتفجر، بل لأن تأخذ سورية دورها القومي” المطلوب(37). ثم شارك بفعالية في الحوار الوطني الواسع حول الأزمة، والذي سارعت إليه مختلف نخب المجتمع المدني السوري. أثمر أخيراً عن قيام التجمع الوطني الديمقراطي في آذار 1980، فضم (الاتحاد الاشتراكي العربي ـ أتاسي، الحزب الشيوعي السوري ـ الترك، حركة الاشتراكيين العربي ـ عياش، حزب العمال الثوري العربي، حزب البعث العربي الاشتراكي الديمقراطي)، وتسبب نشاطه بقيام حملة اعتقالات واسعة ضده.

عندما تمكن الحزب من عقد مؤتمره القومي الأول (نيسان 1993)، عمل على توسيع الحوارات وإنضاجها حول التحولات العالمية الجديدة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي. ذلك حتى مؤتمره القومي الثاني (آب 1994)، الذي تبنّى “الاسترشاد بالماركسية، بوصفها منظومة فكرية سياسية عصرية وكونية، دونما فهم منغلق وبروح نقدية”(38).

هكذا، يقف حزب (ع) اليوم على مشارف القرن الواحد والعشرين، فريقاً ماركسياً صغيراً، فيه من حداثة الانتلجنتسيا أكثر مما فيه من جماهيرية الحزب السياسي، وربما تكون تلك معادلته!

في إطار دراسة الإنشقاقات البعثية، يمكن الإشارة إلى نشوء مشاريع أحزاب لم تعمر طويلاً، كحزب البعث العربي الاشتراكي الديمقراطي الذي ارتبط بالإرث الشباطي، وحزب البعث العربي الاشتراكي (القيادة القومية) الذي ارتبط بالبعث (القومي) العراقي. وكانت هذه الارتباطات نفسها أحد أسباب عدم استمرارهما!

حركة القوميين العرب: نمت هذه الحركة في سورية امتداداً لنواة كانت قد تولدت في أواخر الخمسينيات بين الطلاب القوميين في جامعة بيروت الأميركية. وأصبحت “نوعاً من أخوية قومية طهرانية” تتبنى شعار (وحدة، تحرير، ثأر) ونظرية المرحلتين: النضال القومي أولاً، والنضال الاشتراكي تالياً. فكانت عقيدتها تكفل “القضاء على التجزئة بالوحدة، وعلى الاستعمار بالتحرير، وعلى إسرائيل بالثأر”(39). لم يكن عدد أعضائها يتجاوز الخمسين حتى عام 1960 في سورية، لكن التزامها الطوعي بالقيادة الناصرية، واعتبارها “الجمهورية العربية المتحدة نواة الوحدة العربية الشاملة وكماشة قوية لمحو إسرائيل”، وضعها في سياق الحركة الجماهيرية الناصرية. فبدأ بذلك انتشارها الواسع والقوي في مختلف أقطار المشرق العربي. و”كان صراعها ضد الانفصال هو المركبة الشعبية التي حولتها من أخوية محدودة إلى تنظيم جماهيري”، بلغ عدد أعضائه عدة آلاف في سوريا. لدرجة أنها سيطرت على قيادة الاتحاد العام للعمال وجندت في صفوفها 1300 عاملاً من أصل 1800 من عمال الشركة الخماسية في دمشق(40). فتمكنت بذلك من تنظيم أخطر عصيان مدني ضد الحكم الانفصالي، وكانت من أكبر المساهمين في جميع الاضطرابات التي قامت ضده.

لكن توترات العلاقة مع حزب البعث، أدت إلى سلبيات التنافس السياسي بينهما، وانعكست على تحالفهما الهش بعد 8 آذار 1963، إلى أن انقلب إلى صراع دموي إثر تسريح الضباط الناصريين وقيام حركة 18 تموز. وتلبية لنداء القيادة الناصرية بتشكيل الحركة العربية الواحدة، أعلنت الحركة حل تنظيماتها في كل من سورية والعراق، من أجل الاندماج في الاتحاد الاشتراكي الذي تشكل في تموز 1964. لكن ذلك الإعلان كان سياسياً فقط، إذ استمرت الحركة في سوريا تنظيمياً. وإثر هزيمة حزيران ومضاعفاتها، وفي سياق المجرى الشعبي الناصري، وتحولاته، بدأت الحركة تتجه نحو منظمة أكثر راديكالية للفئات الوسطى. من هنا، جاء انقسام الحركة حول الموقف من الجبهة المعارضة؛ التي وقع على ميثاقها اثنان من قادتها (هاني الهندي وجهاد ضاحي)، في حين اعتبر الفريق اليساري ذلك الاشتراك “خطوة بورجوازية صغيرة وخاطئة، ودعا إلى الانسحاب من الجبهة، وإقامة حلف طبقي لانقاذ الوطن”(41).

وحيث كانت الحركة تتعرض لحملات الملاحقة والتفكيك، كغيرها من قوى المعارضة السورية، فقد أتت التحولات اليسارية في حركة القوميين العرب لتعلن عن تصفيتها شكلاً ومحتوى في اجتماع اللجنة التنفيذية، الذي دعت إليه الفروع اليسارية (كانون الثاني 1969)(42). فتلاشت في الواقع بعد أن تحولت بمختلف أجنحتها إلى امتدادات للحركة الفدائية.

الاتحاد الاشتراكي العربي: تمخّض هذا الاتحاد عن مؤتمر توحيدي للقيادات الناصرية في تموز 1964، صدر عنه بيان تأسيسي، شدّد على التلاحم العضوي مع الجمهورية العربية المتحدة وقيادتها، وعلى أنه خطوة باتجاه الحركة العربية الواحدة، التي كان يدفع إليها عبد الناصر، كما انتخب نهاد القاسم أمينا عاماً له. وعندما أعلنت التنظيمات الناصرية حل نفسها والاندماج ضمنه، تبين لاحقاً صعوبات تطبيق ذلك، وتجلى في انسحاب الوحدويين الاشتراكيين أولاً ثم حركة القوميين العرب ثانياً. لكن ذلك لم يؤثر على قوة تنظيم الاتحاد، الذي عرف نمواً واسعاً واكتسح جماهير الطلاب والأحياء الشعبية في مختلف المدن السورية، حتى بلغت عضويته عشرات الألوف(43). لكن تعاون المتحدة مع السلطة الشباطية أوقع سياسته المعادية للبعث في ارتباك واضح. كما انعكست نتائج هزيمة حزيران عليه، إثر المراجعة الكبرى التي كان لا بد له من المشاركة فيها. فتشكل داخله تياران، توزعتهما مواقف متباينة بشان التنظيم والسياسة والفكر. الأول تجديدي تجمع حول جمال الأتاسي، والثاني محافظ تجمع حول محمد الجراح. تكرس انشقاقهما بعقدهما مؤتمرين منفصلين في نهاية عام 1968. الأمر الذي ضرب عميقاً في كامل جسد الاتحاد، وشكّل أكبر أزماته. لكن التيار الثاني لم يتمكن لاحقاً من الاستمرار، وسرعان ما تفكك وتلاشى مع مطلع الثمانينيات.

أما التيار الأول، الذي أصبح حزباً وأمينه العام د.جمال الأتاسي منذ ذلك المؤتمر، فقد عبّر في توجهاته التنظيمية كما في مراجعاته وتحليلاته عن تأثراته بالماركسية، وتمييزه بين نهج عبد الناصر القومي الذي التزم به، وبين نظامه الذي انتقده. بعدها توجه للمشاركة في الجبهة المعارضة لعام 1968، فأتى غياب عبد الناصر ومرجعيته، ثم إنقلاب السادات على نهجه ومجيء الحركة التصحيحية، ليدفعه إلى تغيير موقفه من البعث. فشارك في وزارة الأسد الأولى وفي حوارات الجبهة الوطنية التقدمية، إلى أن وافقت لجنته المركزية بأغلبية صوت واحد على ميثاقها(45). لكن الإصرار في نص الدستور الدائم على قيادة البعث للدولة والمجتمع (1973)، أدى إلى انسحابه من الجبهة والوزارة. فانعكس ذلك الموقف عليه داخلياً، في صورة انشقاق، قاده في البداية فوزي الكيالي للحفاظ على التعاون مع البعث والجبهة. ثم تابعه صفوان قدسي، الذي رأى في “تجربة حافظ الأسد استكمالاً لنهج عبد الناصر وإنضاجاً لها”(45). بقي هذا الانشقاق مشاركاً تحت نفس التسمية في الجبهة والوزارة، لكنه لم يتمكن من تمييز نفسه أيضاً، فتعرض باستمرار للضمور والتشرذم، لدرجة مشاركة شق آخر له في الجبهة ذاتها!

هكذا، تأثر حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، بما شهدته الساحة السورية من تراجع الناصرية وتقدم التيار الديني، وأفقدته الإنشقاقات المتتالية وزنه الشعبي وتأثيره الفعال، وما أضافه إلى ذلك طرد مجموعة(الجهاز السياسي) في المؤتمر السادس للحزب (1973). ثم نشوء التنظيم الشعبي الناصري، وحركة أنصار الطليعة العربية، اللذين سرعان ما تراجعا بعد ازدهارهما السريع والديناميكي في أوساط الجماهير الناصرية المثقفة والشابة خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات. من ثم عادت بعض كوادرهما للعمل في إطار حزب الاتحاد، الذي كان قد تحول منذ ذلك المؤتمر إلى حزب يتبنى التصحيح لا التصادم حتى أواخر السبعينيات. في حينها، وعندما نشبت الأزمة الوطنية المترافقة مع أحداث العنف، تبنى مفهوم الديمقراطية الواسع بدلاً عن مفهوم الديمقراطية الشعبية الضيق(46) وسعى إلى تكوين (التجمع الوطني الديمقراطي 1980) الذي أصبح الأتاسي أميناً عاما له. وكان له دور كبير في التوصل إليه كصيغة عمل جبهوي بدلاً عن صيغة الحركة العربية الواحدة، العزيزة على قلوب الناصريين. لكن ظروف الأزمة واشتداد الاحتقان لم يسمحا بأي دور للبرنامج الوطني الديمقراطي الذي تبناه التجمع حينها. على العكس، فقد تعرض بمختلف قواه، وبخاصة الحزب الشيوعي ـ المكتب السياسي، للأمرّين منذ ذلك التاريخ.

من هنا، انصرفت جهود حزب الاتحاد إلى تطوير وعيه الديمقراطي وتصليب عوده التنظيمي والحفاظ على قواه التي زادت ضعفا وانكماشاً مع الزمن. فتحول بالنتيجة إلى حزب انتظاري يعتمد على ذاكرته الناصرية والدور البارز لزعيمه الأتاسي. لكن مؤتمر الحزب الأخير المنعقد في أوائل 2000، تبنى الخروج إلى العلنية وأضاف إلى اسمه صفة(الديمقراطي)، تمييزاً للحزب وتعبيراً عن نزوعه الأساسي. وفي آذار 2000، عندما رحل الزعيم الكبير د.جمال الأتاسي الذي كان المؤتمر قد أصر على إعادة انتخابه، تحولت مناسبة تأبينه إلى فرصة وطنية ساهمت بمزيد من خروج الحزب والتجمع إلى العلنية والحوار الديمقراطي، اللذين يصر حزب الاتحاد على متابعتهما، بخاصة إثر التغيرات التي حدثت في سورية بعد وفاة الرئيس الأسد. ولاحقاً انتخبت لجنته المركزية حسن اسماعيل عبد العظيم أميناً عاماً للحزب، كما انتخبه التجمع ناطقاً باسمه.

ثانياً ـ الاتجاهات الشيوعية:

الحزب الشيوعي السوري: بعد الاستقلال، استفاد هذا الحزب من الانتصار الكبير للسوفييت ضد النازية. فنما حجمه وتعاظم دوره من خلال مشاركته بمختلف النضالات المطلبية والاجتماعية والوطنية، بخاصة ضد الديكتاتوريات العسكرية. أصبح خالد بكداش ممثله المنتخب في برلمان 1954، بعد أن كان قد تولى الأمانة العامة للحزب منذ عام 1937. ونظراً لتحكم بكداش بالخط السياسي ولتوقف دورة الحياة الداخلية للحزب منذ المؤتمر الثاني عام 1949، فقد وضع الحزب في مجابهة مع القضايا القومية الأساسية. كان أخطرها تأييده لقرار تقسيم فلسطين ومعارضته الوحدة، ثم برقيته الشهيرة المؤيدة للانفصال الذي اعتبره “اتنفاضة شعبية ضد الاستعمار والتحكم الفرعوني”(47). فسمح ذلك بتعرضه لحملات اضطهاد وتنكيل شديدين، كما تسبب بعزلته الكبيرة عن الجماهير الوحدوية.

بعد 1963، أيد الحزب قرارات التأميم، التي كان قد رفضها خلال عهد عبد الناصر، وعانى من استقلال الحزب الشيوعي اللبناني عنه. كما انتظر سنوات من التوتر مع البعثيين حتى أتت السلطة الشباطية وسمحت بتعاون رمزي معه في الوزارة. أما حياته الداخلية فلم تستأنف دورتها حتى عام 1969، حيث عقد المؤتمر الثالث الذي واجه فيه بكداش تياراً راديكالياً نقدياً. فتمسك بسلامة مواقف الحزب ولم يقبل النقد إلا في المسائل التنظيمية(48). لكن معارضيه، بقيادة عضو المكتب السياسي رياض الترك، فرضوا عليه تمرير مشروع البرنامج السياسي (حزيران 1970) الذي تضمن نقداً لتاريخ الحزب ورؤية لحزب شيوعي عربي من مختلف القضايا القومية والفلسطينية والعمل الفدائي مع توجه إلى الاستقلالية عن السوفييت وإلى الديمقراطية في حياة الحزب الداخلية. فكان هذا المشروع بداية لصراع داخل الحزب، فاقمه الخلاف حول التعاون مع الحركة التصحيحية واستعداء كتلة بكداش للسلطة والسوفييت ضد تيار المشروع. انفجر الصراع أخيراً ببيان الكتلة الانشقاقي (نيسان 1973) وتابع تفاعله لينتهي رغم كل المحاولات إلى تكريس الحزبين التاليين:

الأول: الحزب الشيوعي السوري، وأمينه العام خالد بكداش، الذي بقي محافظاً على تعاونه مع الحركة التصحيحية، وممثلاُ في الوزارة والجبهة وباقي مؤسسات السلطة منذ ذلك الحين. لكن جسده التنظيمي أصبح أكثر ضعفاً وعزلة، بخاصة بعد أن تركز في أوساط أقلياتية وعائلية، وعانى من انشقاقات متعددة، كان بينها الكتلة التي عملت لفترة تحت اسم: الحزب الشيوعي ـ منظمات القاعدة بقيادة مراد يوسف. أما أهمها فكان انشقاق 1986، الذي تحول إلى حزب شيوعي (ثالث) بقيادة يوسف فيصل، وشارك مثله في جميع مؤسسات النظام السوري. ونظراً لكونه امتلك بعض المبررات المنفتحة إيديولوجياً وسياسياً، فقد تميز عن حزب بكداش ذي اللغة الطبقوية والايديولوجية المتخشبة، واستطاع في المؤتمر السادس (1987) توحيد بعض الكتل المنشقة، وأعطى أملاً بتنمية خط شيوعي منفتح، لم يتأكد عملياً!

الثاني: الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، حيث عقد التيار الذي كان يشكل أغلبية قواعد الحزب ومكتبه السياسي مؤتمره الرابع 1973، وانتخب فيه الترك أميناً أول. وعند انسحاب كتلة عبد الصمد ونعمة وبكري منه، خسر ممثليه في الوزارة والجبهة. لكنه حافظ على حد أدنى من المشاركة في فروع الجبهة، وتجنب توتير العلاقة مع البعث. ذلك إلى عام 1976، حيث أدت معارضته دخول الجيش السوري إلى لبنان وتزايد نقده للسياسة الداخلية إلى الانسحاب من الجبهة، فانتقل بذلك نهائياً إلى موقع المعارضة. مما انعكس على تصليب تنظيمه ووضوح خطه السياسي باتجاه مفهوم الثورة الوطنية الدميقراطية الماركسي. الأمر الذي تجلى في تركيب المؤتمر الخامس 1978 وموضوعاته(49). وعندما طالب بالتغيير الديمقراطي، خلال أزمة 1979 ـ 1980، وشارك في تكوين التجمع الوطني الديمقراطي، تعرض أكثر من غيره لحملات قمع متعددة طالت على مدى عقدين معظم قياداته وقواعده وحولته إلى رموز حزب وخط سياسي. لكن انتهاء الاحتقان والإفراج عن معتقلي الحزب، الذي شمل أخيراً رياض الترك في أواسط 1998، شكّل إنعاشاً للحزب، فأعاد انتخاب الترك وترميم هيئاته. من ثم يمكن ملاحظة مؤشرات عديدة تدل على شروع الحزب بالتجدد واستعادة دوره في الحياة السياسية السورية، التي تشهد بعض ملامح الانفراج والتغيير في أوائل القرن الجديد.

رابطة العمل الشيوعي: انبثقت هذه الرابطة عن مؤتمر عقد عام 1976، وأقر فيه توحيد مجموعة من الحلقات الماركسية الجديدة التي كانت قد ظهرت في جامعتي حلب ودمشق منذ أوائل السبعينيات، على خلفية منظورات ماركسية راديكالية تنتقد الماركسية المسفيتة والرائجة. لعب ناشطون ديناميكيون (مثل فاتح جاموس وهيثم مناع (حتى 1978) وأصلان عبد الكريم) دوراً كبيراً في ذلك التحول وفي إقرار دليلها النظري المسمى بالخط الاستراتيجي، الذي تبنى مفهوم القوميات العربية،وطرح شعار إسقاط النظام(50). مما عرّضها لحملات ملاحقة متكررة خلال عامي 1977 و 1978. وكان لتقلب مواقفها من السلطة عند تفاقم صراعها مع حركة الإخوان المسلمين ومن المعارضة ومن الحزبين الشيوعيين أكبر الأثر في تصدع صفوفها المحدودة(51). ترافق ذلك مع نمو اتجاه سوفيتي التوجه في خطابها، بخاصة إثر تحولها إلى حزب العمل الشيوعي في مؤتمر 1981. فيما بعد حققت بعض الصعود عندما نشطت مع معارضي عرفات، في فترة تسامحت فيها السلطة معها وغابت خلالها المعارضة اليسارية الملاحقة. لكن السلطة عادت إلى ضربها إثر قيادتها لمظاهرة كردية عام 1986، ثم قامت بتفكيكها بشدة لاحقاً. ومنذ ذلك التاريخ لم يعد للرابطة دور محسوس، مع توفر رموز وتحليلات تحاول تجديد هذا الدور مؤخراً(52).

يمكن في إطار الاتجاه الشيوعي أيضاَ ملاحظة نشوء منظمات وحلقات، كان لها بعض التوهج في السبعينيات، كاتحاد الشيوعيين السوريين والمنظمة الشيوعية العربية وغيرها. لكنها جميعاً، وعلى الرغم من الاختلافات بينها، سرعان ما انطفأت أو صفيت ولم تستمر!

ثالثاً ـ الاتجاهات الإسلامية:

الإخوان المسلمون: في الفترة الأولى من الاستقلال، تميّز إخوان سوريا عن منظورات إخوان مصر، فلم يطالبوا بـ “تطبيق الشريعة، بل بحكم صالح يزيل مساوئ الاستعمار”(53). وشاركوا في التنافس الانتخابي، ففازوا عام 1949 بأربعة نواب من خلال تشكيلهم الجبهة الإسلامية الاشتراكية. كان للسباعي، الذي اكتسب لقب الشيخ الأحمر، فضل في نزوعهم نحو حزب ديمقراطي إسلامي اجتماعي. تعاون هذا الحزب مع القوى الوطنية ضد مشروع سورية الكبرى و تقسيم فلسطين، وأيد الإصلاح الزراعي، كما شارك في مقاومة الديكتاتوريات العسكرية. وعلى الرغم من معارضته عبد الناصر منذ قضية الإخوان في مصر، فقد كان موقفه إيجابياً من الوحدة وشارك عملياً في تنفيذ قرار حل الأحزاب، في حين روّجت السلطات لكتاب السباعي (اشتراكية الإسلام). أما في عهد الانفصال، فبينما اتخذت كتلة الإخوان (التعاونية البرلمانية) المكونة من عشرة نواب، موقفاً يمينياً وسطياً من تعديل قانون الإصلاح الزراعي الذي كان في حقيقته تصفية للقانون الناصري، تفادت قيادة الإخوان مواجهة عبد الناصر سياسياً، بل نسقت في جميع الإضرابات مع الناصريين في مواجهة الشيوعيين والاشتراكيين(54). لكن مرحلة ما بعد 8 آذار شهدت توتراً ومواجهات دامية عديدة ما بين الإخوان والبعث. كان من أشهرها: اعتصام حماه 1964، الذي قاده تيار الإخوان الجهادي (كتائب محمد) واستمر 29 يوماً، ثم اعتصام المسجد الأموي الذي شارك فيه الإخوان كأفراد بينما قاده الشيخ حبنّكة 1964. وأيضاً أحداث حماه 1980 التي قادها تنظيم الطليعة المقاتلة المنشق أو المتميز داخل الإخوان وانتهت إلى مأساة، تبعتها عمليات ملاحقة وتفكيك شاملة ضد الإخوان المسلمين ورافقتها سياسة تجفيف منابعهم إلى أمد غير منظور.

هكذا، تنازع في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين السوريين اتجاهان، الأول سلمي إصلاحي تزعمه قادة مثل: المراقب العام الأول مصطفى السباعي وخلفه عصام العطار، والثاني عنفي جهادي تزعمه قادة مثل: مروان حديد وعدنان عقلة. لقد شملت في قواعدها المدينية شرائح متعلمة واسعة على الرغم من استنادها إلى ايديولوجيا تقليدية في مواجهة مشروع الدولة الحديثة. فكان تاريخها تعبيراً آخر عن تناقضات الحداثة العربية ومشكلاتها.

حزب التحرير الإسلامي: نشأ هذا الحزب في الأردن على يدي تقي الدين النبهاني ورفاقه منذ أوائل الخمسينيات. امتد إلى الضفة الغربية، ثم إلى سورية بعد هجرة النبهاني إليها مع اثنين من أعضاء لجنة القيادة في 1954(55). بتأثير الخطاب الفكري المتكامل للحزب والداعي إلى إقامة الدولة الإسلامية، فقد جذب إليه الشباب المتعلم أكثر من الخطاب الإسلامي المباشر والبسيط. لذلك كان نموه المناسب في دمشق وبعض المحافظات السورية سبباً آخر في تحرك الإخوان المسلمين ضده واتهامهم له بشتى أنواع التهم(56). استفاد الحزب من أجواء الخمسينيات الديمقراطية، على الرغم من عدم الترخيص له. لكن عهد الوحدة دفعه إلى العمل السري، فتلاشى صوته ولم يعد مسموعاً حتى أوائل عام 2000، عندما لوحظت عودة جديدة وغامضة لاسمه، أشارت إليها حملة الإعتقالات الواسعة التي شملت المئات من شباب المدن المتعلمين والذين يشاع أنهم شكلوا كوادره وأطيافه.

رابعاً ـ الاتجاهات الإقليمية والمحلية:

الحزب السوري القومي: بعد الاستقلال، تبنى الحزب الفلسفة المدرحية وأصبح اسمه: الحزب السوري القومي الاجتماعي. في عام 1947، أعلن سعادة عن احترام الحزب للكيان اللبناني واعتبار الجامعة العربية تحقيقاً لأهدافه، وأن الحزب أجرى تعديلات في مبادئه شملت ضم باقي العراق وجزيرة قبرص إلى حدود سورية القومية(57). قام بنشاط واسع في تلك الفترة تميز بجوانبه الثقافية في لبنان، نظراً لعدم ترخيصه في سورية. لكن هذا النشاط تلاشى بعد ملاحقته واتهامه بتدبير محاولة انقلاب في لبنان عام 1949، ثم مسارعة سلطة حسني الزعيم لتسليم سعادة إلى السلطات اللبنانية التي بادرت إلى محاكمته عسكرياً وإعدامه.

لكن الحزب استعاد نشاطه في سوريا بعد تغير الحكم، وفاز له نائبان في الجمعية التأسيسية عن دمشق وطرطوس. ثم اتخذ مواقف متقلبة من نظام الشيشكلي، وغير شعبية من الأحلاف(58). زاد في عزلته لجوءه إلى سياسة الاغتيالات، حيث اغتال رياض الصلح في عمان صيف 1950، والعقيد البعثي عدنان المالكي في دمشق نيسان 1955. فكان ذلك إيذاناً باختفائه وانتهاء دوره في سورية حتى عقد التسعينات، حيث لوحظت أنشطة نصف علنية له في السنوات الأخيرة من حكم الأسد الراحل، ومنها تمثيله بعضو في مجلس الشعب (باصيل دحدوح). كما أن هناك مؤشرات على احتمال ضمه إلى الجبهة الوطنية التقدمية في العهد السوري الجديد.

الاشتراكيون العرب: هي حركة انطلقت من تراث الحزب العربي الاشتراكي، الذي كان قد اندمج مع حزب البعث في أوائل الخمسينيات ثم افترق تياره عنه بسبب تأييده للانفصال ومعارضته الشديدة لعبد الناصر. قاد الحركة مجدداً زعيمها التاريخي الحوراني، وبعد اختلافه مع السلطات البعثية المتعاقبة تشرذمت حركته التي اعتمدت على قاعدة حموية قوية وفكر اشتراكي انتقائي. فخرجت منها تحت نفس التسمية مجموعات ثلاث: الأولى، انتقلت إلى صف المعارضة بقيادة اللواء السابق عبد الغني عياش وشاركت في التجمع الوطني الديمقراطي. والثانية، بقيادة عبد الغني قنوت، أيدت الحركة التصحيحية وشاركت في جبهتها، إلى جانب الثالثة، بقيادة عبد العزيز عثمان الذي خلفه ابنه غسان بعد وفاته.

الأحزاب والحركات الكردية: هناك أكثر من عشرين حزباً وحركة ناشطة في الأوساط الكردية السورية، بخاصة في منطقة الجزيرة. جميعها غير مرخصة، وبعضها امتداد لأحزاب كردية منطلقة من خارج سوريا كالحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، وبعضها الآخر محلي كالتجمع الوطني الديمقراطي. وهي مختلفة القوة ومتفاوتة المطالب، لكنها تشترك في التعبير عن الهم السياسي للأقلية الكردية السورية.

– – –

¸¸¸¸¸¸¸¸¸¸

الهوامش:

1 ـ محمد نجاتي طيارة، المرحلة الجمعياتية، الأحزاب والحركات القومية العربية ج1، تنسيق فيصل دراج ومحمد جمال باروت، المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، دمشق، 2000، ص16.

2 ـ خيرية قاسمية، الحكومة العربية في دمشق، دار المعرف، القاهرة، 1971، ص27.

3 ـ بوعلي ياسين، عصبة العمل القومي، الأحزاب والحركات القومية العربية، مصدر مذكور سابقاً، ص52.

4 ـ الياس مرقص، تاريخ الأحزاب الشيوعية في الوطن العربي ط1، دار الطليعة، بيروت، 1964، ص16.

5 ـ خالد بكداش، مقدمة لكتاب طريق الاستقلال، مكتب المطبوعات السياسية والاجتماعية، دمشق، 1955، ص21.

6 ـ محمد حرب فرزت، الحياة الحزبية في سوريا بين 1955ـ 1908، دار الرواد، دمشق، 1955، ص116.

7 ـ عبد الله حنا، الحركة العمالية في سوريا ولبنان، دار دمشق، دمشق، 1973، ص210.

8 ـ بوعلي ياسين، مصدر سبق ذكره، ص 54.

9 ـ المصدر السابق، ص57.

10 ـ عبد الله حنا، مصدر سبق ذكره، ص212.

11 ـ محمد حرب فرزت، مصدر سبق ذكره، ص 138.

12 ـ بوعلي ياسين، مصدر سبق ذكره، ص 62.

13 ـ ذوقان قرقوط، تطور الحركة الوطنية في سوريا 1939ـ 1920، ط1، دار الطليعة، بيروت، 1975، ص 179.

14 ـ محمد حرب فرزت، مصدر سبق ذكره، ص 146.

15 ـ المصدر السابق، ص 146.

16 ـ محمد جمال باروت، جماعة الإخوان المسلمين ما بعد المحنة، سورية، الأحزاب والجماعات والحركات الإسلامية، ط2، ج1، تحرير فيصل دراج وجمال باروت، المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، دمشق، 2000، ص 255.

17 ـ بوعلي ياسين، حزب البعث العربي الاشتراكي، الأحزاب والحركات القومية العربية، مصدر مذكور سابقاً، ص 222.

18 ـ باروت، حزب البعث القومي، المصدر السابق، ص 361.

19 ـ باتريك سيل، الأسد، الصراع على الشرق الأوسط، دار الساقي، لندن، 1988، ص 85.

20 ـ مصطفى دندشلي، مساهمة في نقد الحركات السياسية في الوطن العربي، ط1، ج1، دار الطليعة، بيروت، 1979، ص 186.

21 ـ انظر: دندشلي، المصدر السابق، ص 315. وهاني الفكيكي، أوكار الهزيمة(تجربتي في حزب البعث العراقي)، ط1، رياض الريس، لندن، 1993، ص 206.

22 ـ دندشلي، مصدر سبق ذكره، ص 330.

23 ـ طيارة، مصدر سبق ذكره، ص 510.

24 ـ كتب ياسين الحافظ التقرير بصيغته الأولى، وذكر فواز طرابلسي أن لجنة ضمته مع جبران مجدلاني، برئاسة ميشيل عفلق، لاستبدال مقدمتها. لكن عفلق تهرب من اجتماعات اللجنة وكتب وحده المقدمة البديلة. انظر كتاب الطرابلسي: صورة الفتى بالأحمر، دار الريس، بيروت، 1877، ص 47.

25 ـ طيارة، من اليسارية البعثية إلى حزب العمال الثوري العربي، الأحزاب والحركات القومية العربية، مصدر سبق ذكره، ص 518. واعتباراً من هذه الفقرة سنرمز لهذا الحزب بـ (ع) على سبيل الاختصار.

26 ـ القومية العربية، سيل، مصدر سبق ذكره، ص 287.

27 ـ باروت، حزب البعث القومي، مصدر سبق ذكره، ص 430.

28 ـ سيل، مصدر سبق ذكره، ص 287.

29 ـ عبد الرزاق عيد، البعث: حزب سلطة هامشي هل يستطيع التحول إلى حزب مجتمع، النهار 28/9/2000.

30 ـ شمس الدين الكيلاني، الوحدويون الاشتراكيون من الحركة إلى الحزب، الأحزاب والحركات القومية العربية، مصدر سبق ذكره، ص 213.

31 ـ المصدر السابق، ص 215.

32 ـ انظر: جماعة من المفكرين، أسباب أزمة الثورة العربية، دراسات عربية، السنة الثانية، العدد 12، بيروت، 1966.

33 ـ ياسين الحافظ، الهزيمة والايديولوجيا المهزومة، ط1، دار الطليعة، بيروت، 1979، ص 46.

34 ـ طيارة، مصدر سبق ذكره، ص 541.

35 ـ محمد جمال باروت، العقد السياسي السوري، الحياة 31/8/1988.

36 ـ الثورة العربية، الجريدة المركزية لحزب (ع)، أواسط ك1/1973.

37 ـ الثورة العربية، أوائل ت1/ 1979.

38 ـ الوثيقة البرنامجية، المؤتمر الثاني لحزب (ع)، آب 1994.

39 ـ باروت، حركة القوميين العرب، الأحزاب والحركات القومية العربية، ج2، مصدر سبق ذكره، ص9.

40 ـ المصدر السابق، ص13و21.

41 ـ المصدر نفسه، ص 48.

42 ـ المصدر نفسه، ص 58.

43 ـ شمس الدين الكيلاني، الإتحاد الاشتراكي نموذجاً لسورية، المصدر السابق، ص121.

44 ـ المصدر السابق، ص 146.

45 ـ المصدر نفسه، ص 151.

46 ـ المصدر نفسه، ص 152.

47 ـ مرقص، مصدر سبق ذكره، ص 123.

48 ـ محمد جمال باروت، الحركة الشيوعية السورية وأسئلة المصير، الحياة، 5/11/1988.

49 ـ المصدر السابق.

50 ـ باروت، رابطة العمل الشيوعي ومسارها المتعرج، من التألق إلى الانحلال، الحياة 19/11/1998.

51 ـ المصدر السابق.

52 ـ فاتح جاموس، أي حركة سياسية، أي حزب نريد، كيف نبدأ، بدون مكان إصدار ولا دار نشر 6/1/2000.

53 ـ باروت، جماعة الإخوان المسلمين ما بعد المحنة، مصدر سبق ذكره، ص 257.

54 ـ المصدر السابق، ص91.

55 ـ حسام جزماتي، حزب التحرير، الأحزاب والجماعات والحركات الإسلامية، مصدر سبق ذكره، ص 90.

56 ـ المصدر السابق، ص91.

57 ـ محمد حرب فرزت، مصدر سبق ذكره، ص 229.

58 ـ المصدر السابق، ص 263.

Tagged: , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: