الفصل الثاني عشر: المكانة، الوجاهة والسيطرة الاجتماعية

المكانة، الوجاهة والسيطرة الاجتماعية

 

“كل الحيوانات متساوية. إلا أن بعض الحيوانات أكثر مساواة من غيرها.” جورج أورويل

ملخص:

 

استكشف هذا الفصل السيكولوجية التطورية للمكانة والسيطرة الاجتماعية، وهي ظواهر تلاحظ بشكل واسع في عالم الحيوان كله، بدءاً بجراد البحر وانتهاءً بالبشر. تحيل مرتبية السيطرة إلى واقعة اكتساب بعض الأفراد ضمن الجماعة بشكل موثوق وصولاً أكبر إلى الموارد المفتاحية أكثر من أفراد آخرين- وهي موارد تسهم في البقاء والتكاثر. يطرح وجود هكذا مرتبيات مشكلات تكيفية ولّدت الحيوانات حلولاً متطورة لها، ومن ضمنها الفوز وإستراتجيات للتعامل مع التبعية. يشكل الحجم محدداً مهما للسيطرة في بعض الأنواع، ولكن في أنواع الرئيسات من مثل الشمبانزي والبشر تصبح المهارات الاجتماعية في استقطاب الحلفاء حاسمة في بلوغ المكانة الرفيعة. تكسب الحيوانات عالية المرتبة أحياناً، وليس بالضرورة دائماً، وصولاً تفصيليّاً إلى الموارد المفتاحية الضرورية للبقاء والتكاثر.

يسّر الانتقاء على الأرجح، تطور دافع للسعي إلى المكانة لدى الرجال أكبر مما لدى النساء. وكلما كان نظام الاقتران أكثر تعدداً للزوجات أتاح للرجال نجاحاً تكاثرياً أكبر مقارنة بالنساء، مما يدفع بهم إلى الأقدام على مخاطرات للصعود في مرتبية المكانة. يرتبط التقدم في هذه الأنظمة مع زيادة عدد الزوجات تاريخياً ومع عدد القرينات الجنسيات راهناً. يدعم الدليل التجريبي هذه الفرضية التطورية. فعبر الثقافات، وخلال التاريخ البشري المدون والذي يرجع إلى 4000 سنة قبل الميلاد، حصل الرجال ذوو المكانة العالية باستمرار على فرص جنسية مع عدد أكبر من الزوجات، العشيقات، والقرينات الجنسيات. يشكل الذكور، عبر الثقافات، مرتبيات في سن مبكرة بدءاً من السنة الثالثة من العمر. يدعم الدليل التجريبي الفرضية القائلة بأن لدى الرجال توجّهاً أعلى نحو السيطرة الاجتماعية – أي الاعتقاد بأن من المشروع أن يكون بعض الناس أو تكون بعض الجماعات أعلى من الآخرين. تنزع النساء أن تكنّ أكثر تبنياً للمساواة، بينما أن الرجال أكثر مرتبية. كما يختلف الرجال والنساء في الأفعال التي يعبرون عن السيطرة من خلالها. فبينما تنزع النساء إلى التعبير عن السيطرة من خلال الأفعال التي تخدم الجماعة (من مثل تسوية النزاعات بين الآخرين في الجماعة) ينزع الرجال بتكرار أكبر إلى التعبير عن السيطرة من أجل المكسب الشخصي والارتفاع في المكانة (مثلاً دفع الآخرين إلى القيان بالأعمال التافهة، بدلاً من القيام بها بأنفسهم). وحين يعطون الخيار للقيام بأدوار ما، تنزع النساء المسيطرات إلى تكليف الرجال بالقيادة بينما الرجال المسيطرون يأخذون الدور القيادي لأنفسهم.

اقترحت دنيز كامنز نظرية سيطرة لتفسير الآليات المعرفية التي يمكن أن تكون قد تطورت للتفاوض حول مرتبيات السيطرة. تقوم نظرية السيطرة على قضيتين محوريتين. أولاً: طور البشر استراتجيات مجال نوعي للتفكير حول المعايير الاجتماعية التي تتضمن مرتبيات سيطرة. تتضمن هذه الاستراتجيات جوانب من مثل المسموحات : (من مثل: من يسمح له بالاقتران مع من؟)، التزامات: (من مثل: من يتعين عليه دعم من في المنافسة الاجتماعية؟)، ومحظورات: (من مثل: من يحظر عليه الانضمام إلى رقصة الحرب العشائرية).   ثانياً: يتوقع أن تبرز هذه الاستراتجيات المعرفية قبل الأنماط الأخرى من استراتجيات التفكير وبمعزل عنها. تتضمن الأدلة التجريبية الداعمة لهذه النظرية ما يلي: 1) يبدو أن الأطفال الصغار، ومنذ سن الثالثة يفكرون بمرتبات السيطرة، بما فيها خاصية التعدي، 2) ينزع الناس إلى تذكر وجوه الغشاشين بدرجة أكبر إذا كان هؤلاء أدنى مكانة مما يتذكرونه فيما لو كانوا من ذوي المكانة الأرفع، و3) ينزع الناس إلى البحث عن التعديات على القواعد بين الأفراد ذوي المكانة المتدنية، حين يطلب إليهم تبني منظور فرد أعلى مكانة.

وفي حين تؤكد نظرية السيطرة على آليات التفكير القائمة وراء السيطرة، تقترح نظرية إمكانية استقطاب الاهتمام الاجتماعي (SAHP) تنوعاً من الآليات الانفعالية المصممة لحل مشكلات تكيفية يطرحها نهج العيش في مرتبيات اجتماعية. وتتضمن هذه كلاً من الزهو بعد ارتفاع المكانة، القلق الاجتماعي في سياقات يمكن فيها ربح المكانة أو خسارتها، العار أو الغيظ إثر فقدان المكانة، الحسد الذي يولد الدافع للحصول على ما يملكه الآخرون، والاكتئاب الذي ييسر اتخاذ مواضع خضوعية تجنباً لمزيد ن الهجمات من الرؤساء.

تُحدد السيطرة ويدلل عليها من خلال عوامل متنوعة، من ضمنها انتصاب القامة، الصوت الرخيم، اللقاء المباشر للنظرات، السير بخطى سريعة، ملامح وجهية من مثل الفك القوي، وحجم الجسم. ولقد تم ربط كل من هرمون التستوسترون والناقل العصبي سيروتونين بالسيطرة، مع أن اتجاه السببية يبقى غير أكيد في الحالتين. هناك دليل على أن التستوسترون يتزايد بعد الفوز ويتناقص بعد الخسارة. يهبط السروتونين بشدة لدى الشمبانزي إثر خسارة المكانة، كما هو الحل حين يرفض الآخرون الانصياع للتودد الخضوعي. وما زالت الوظائف التطورية المحددة للتستوسترون والسيروتونين بحاجة إلى الإيضاح، إلا أن زيادتها قد تلعب دوراً في الحفاظ على السيطرة ونقصانها قد يساعد الحيوانات على تجنب تحديات خطرة.

اقترح العديد من المنظرين أن تقدير الذات يعمل جزئياً بمثابة آلية تعقب المكانة. يمكن للتقدير الذي نكنه لأنفسنا أن يعمل بثلاثة أساليب على الأقل: 1) كي يدفعنا إلى تملق الرضا أو إصلاح العلاقات الاجتماعية حين يخبو احترام الآخرين لنا، و2) لكي يرشدنا في اتخاذ القرارات الملائمة بصدد من نتحدى وإلى من نخضع، و3) لتعقب مرغوبيتنا في سوق الاقتران.

ومع أن جل هذا الفصل قد ركز على طرف السيطرة العالي، من المهم أن لا نُهمل الطرف المتدني. جابه البشر الأسلاف تكراراً وضعيات كانوا فيها تابعين، وبالتالي فقد يكون مفاجئاً إذا لم ييسر انتقاء تكيفات مصممة للتعامل مع المشكلات التي تطرحها التبعية. تتمثل إستراتجيتان مفترضتان في الخضوع في كل من الرضا والتسليم (أي خفض المرء لتقديره الذاتي لتجنب المجابهة وللقيام بدور التابع بشكل أفضل تجنباً لعواقب غضب المسيطر)، والحط من قدر المحظوظين. هناك حاجة لأبحاث عبر ثقافية لاختبار هذه الفرضيات المتنوعة، ولتوفير أُسس لنظرية تطورية أكثر اكتمالاً في المكانة، الوجاهة، والسيطرة الاجتماعية.

Tagged: , , , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: