الفصل العاشر: العدوان والحرب

العدوان والحرب

 

” السبب الرئيسي للعنف، من وجهة نظر تطورية، هي الذكورة. ” روبرت رايت،1995

ملخص:

لا يشكل العدوان، من منظور علم النفس التطوري، ظاهرة فريدة أو أحادية. وإنما هو يمثل مجموعة من الاستراتجيات التي تتجلى في ظروف سياقية عالية النوعية. برزت الآليات القائمة وراء العدوان، من وجهة النظر هذه، بمثابة حلول، ولو أنها منفرة، لطائفة من المشكلات التكيفية المتميزة عن بعضها بعضاً من مثل الإمداد بالموارد، التنافس ضمن الجنس الواحد، التداول بشأن المرتبية، والاحتفاظ بالقرين.

من هذا المنظور، يكون التباين في العدوان – ما بين الجنسين، بين الأفراد، خلال مسار الحياة، وعبر الثقافات – متوقعاً. إنه يوضح النقطة القائلة بأن التباين المدون لا يعني أن البيولوجيا غير ذات صلة. المنظور النفسي التطوري تفاعلي حقاً: إنه يحدد نوعياً مجموعة من الشروط السببية حيث من المرجح أن تثير ملامح خاصة لكل من الفاعل، الضحية، السياق الاجتماعي، والمشكلات التكيفية، العدوان بما هو حل استراتيجي.

يقترح المنظور التطوري ست فئات من المنافع على الأقل قد تكون عادت على الأسلاف الذين استعملوا إستراتيجية عدوانية: الاستيلاء على موارد الآخرين، الدفاع عن الذات والأقارب ضد الهجوم، إنزال الغرم بالمزاحمين ضمن الجنس الواحد، الوصول إلى المكانة ومرتبيات القوة، ردع المزاحمين عن القيام بعدوان مستقبلي، وكذلك ردع القرينات على المدى الطويل عن الخيانة أو الهجر.

تتنبأ الحجج التطورية المعقولة بأن المرجح أن يبرز العدوان بقوة أكبر بين الرجال، وأن يكون كل المعتدين والضحايا من الرجال. وفي حالة نظام اقتران يتسم بدرجة معينة من التعددية، سيحابي الانتقاء التكتيكات المخاطرة لدى الرجال بغية الوصول الجنسي الناجح إلى المزيد من النساء، وكذلك بغية تجنب التعرض للاستبعاد كلياً من الاقتران. على الصعيد التجريبي، ترتكب معظم حالات العدوان الجسمي من قبل الرجال، كما أن معظم ضحاياها من الرجال. تتضمن هذه الأدلة حالات قتل ضمن الجنس نفسه عبر الثقافات، وتكرار المعاملة الشرسة في المدارس، والدليل الإثنوغرافي المتعلق بالعنف الجسمي المستقى من مجموعات الأبورجين الأستراليين.

يرتبط العديد من السياقات بالعدوان الحاصل ضمن كل مزاوجة ما بين جنس الفاعل وجنس الضحية . تتضمن السياقات المفجرة لعدوان الرجال ضد الرجال آخرين كل من البطالة والعزوبية – وهي سياقات توحي بأن الرجال هم في طريقهم إلى الاستبعاد من الاقتران، مما قد يفجر إستراتيجية عدوانية تتصف بالمخاطرة. كذلك يعتدي الرجال على رجال آخرين حين تهدد مكانتهم أو سمعتهم، وعندما يلاحظون أو يشكون بغريم ينتهك حرمة قرينهم الجنسية.

تعتدي النساء على نساء أخريات في سياق التنافس ضمن الجنس الواحد في المقام الأول. إلا أنه من المستبعد جداً ترجيح استعمال النساء للعنف الجسمي، إذا يفضلن عوضاً عن ذلك الحط من قدر منافساتهن لفظياً. يتمثل تكتيكان تحقيريان سائدان في نعت مزاحماتهن بالإباحية الجنسية والحط من قدر مظهرهن الجسمي – وكلاهما يحدثان تأثيرهما لأنهما يخرقان رغبات الرجال في القرينة على المدى الطويل.

يعتدي الرجال على النساء بالدرجة الأولى بغية التحكم في حياتهن الجنسية. تشكل الغيرة الجنسية سياقاً مفتاحياً مفجراً لعدوان الرجال ضد قريناتهم. ومن المفترض بأن مثل هكذا عدوان قام تاريخياً بوظيفة ردع القرينة عن مزيد من الخيانة أو عن هجر العلاقة كلياً. ولذلك فإن النساء الأكثر شباباً وبالتالي الأعلى من حيث القيمة إنجابية هنّ أكثر عرضة للاعتداء من قبل أقرانهن حيث لدى الرجال الأسلاف حافز أكبر للحفاظ على احتكار الوصول الجنسي إلى النساء الأكثر مرغوبية.

نادراً ما تقتل النساء الرجال، إلا أنهن حين يفعلن ذلك فإن ذلك يحدث نموذجياً دفاعاً عن النفس. يتضمن السياق عادة امرأة تدافع عن نفسها ضد قرين مستشيط غضباً بصدد خيانة واقعية أو مشتبه فيها.

الحرب التي تُعرف بمثابة عدوان يقوم به ائتلاف تعاوني ضد ائتلاف تعاوني آخر، هي نادرة بشكل خارق للعادة في عالم الحيوان. لم يلحظ سوى نوعين لبونين ينخرطان في عدوان ائتلافي: الشمبانزي والإنسان. يؤدي منظور تطوري إلى التنبؤ بأن الحرب ستمارس من قبل الرجال في المقام الأول، حيث تتمثل المنفعة التكاثرية الرئيسية في زيادة الوصول الجنسي إلى النساء. يدعم الدليل التجريبي هذه النظرية: إذ انخرط الرجال في الحرب خلال كل التاريخ البشري المدون، ويبدو أن الوصول الجنسي إلى النساء يمثل منفعة متكررة تعود على المنتصرين في الحرب، ويقوم الرجال تلقائياً بتقدير قدرتهم القتالية مقارنة بقدرة الآخرين، كما يثمن الرجال أكثر من النساء، أعضاء الائتلاف الأقوياء، والمقدامين في وجه الخطر، والذين يتمتعون بقدرات قالية جيدة. ومع أن هناك حاجة إلى المزيد من البحث. إلا أن الدليل المتوفر يدعم النظرية التطورية في الحرب، ويوحي بتطور آليات نفسية نوعية لدى الرجال مصممة لشن الحروب.

نظر القسم الأخير من هذا الفصل في فرضيتين متعارضتين مصممتين لتفسير تطور قتل الكائنات البشرية الأخرى. تقترح الفرضية الأولى أن حالات القتل هي (هفوات) ناجمة عن استعمال العنف والتهديد بالعنف بمثابة وسيلة لضبط الآخرين بشكل قسري. وتقترح الفرضية الثانية أن البشر، والرجال على وجه الخصوص، قد طوروا تكيفات قتل إنساني نوعية مصممة لتوليد الدافعية لقتل بشر آخرين في ظروف نوعية، حين ترجح المكاسب على التكاليف. الشيوع الكبير لتخيلات القتل، وإمكانية التنبؤ بظروف انطلاقها، والدليل على الفروق بين الجنسين، والطابع المتعمد للعديد من حالات القتل الإنساني تبدو جميعاً أنها تدعم نظرية تكيف القتل، وذلك بالرغم من الحاجة إلى مزيد من البحث للمقارنة المباشرة بين تنبؤات كل من النظريتين.

Tagged: , , , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: