الفصل التاسع: التحالفات التعاونية

التحالفات التعاونية

 

” إذا كنت ستتخذ صديقاً اختبره أولاً، ولا تتعجل في إيلائه ثقتك. إذ أن لعض الرجال هو صديق لمنفعته الذاتية، ولن يلتزم في أوقات الشدة…كذلك، فإن بعض الأصدقاء، هو رفيق مائدة الطعام، ولن يستمر في صداقته في يوم المحنة… وإذا حط بك الدهر، فسيكون ضدك، وسيختفي عن ناظريك… الصديق الوفي هو درع قوي: ومن وجد مثل هكذا صديق فإنه يكون قد عثر لنفسه على كنز. لا شيء يعوض عم صديق وفي.” كتاب الكنيسة 6:1-15 (سيراتش).

ملخص:

بدأنا هذا الفصل بالنظر في مشكلة الغيرية: تلك الملامح التصميمية التي تساعد على تكاثر الأفراد الآخرين، ولو أنها ترتب تكاليف على الغيري الذي يمتلك هذه الملامح. يتمثل اللغز في كيف أمكن أن تتطور هذه الغيرية، إذا علمنا أنها تبدو مناقضة لقاعدة هاملتون. أتي أحد الحلول من قبل نظرية الغيرية المتبادلة التي تقرر أن بإمكان الآليات النفسية أن تتطور لتوفير المنافع لغير الأقارب طالما أن تقديم هذه المنافع سيدفع بالمتلقي إلى التبادل في لحظة ما مستقبلاً. إلا أن أهم مشكلة تكيفية تواجهها الغيرية المتبادلة تتمثل في تهديد المخادعين – أي الناس الذين ينتفعون من دون القيام بالتبادل في وقت لاحق.

برز أحد الحلول لهذه المشكلة من خلال دورة حاسوب أدارها روبرت أكسيلرود. لقد اكتشف أن الحلمة مقابل اللكمة – وهي إستراتيجية يتعاون فيها الفرد في الحركة الأولى ومن ثم يتبادل بالمثل بعد ذلك – كانت ناجحة جداً. إنها نزعت إلى تعزيز التعاون إلا أنها ساعدت على مشكلة الخداع من خلال عقاب المتخلفين في التو.

تحدث أمثلة على الغيرية المتبادلة في عالم الحيوان. تتقاسم الخفافيش مصاصة الدماء طعامها مع (أصدقائها) الذين لم ينجحوا في أي ليلة من الليالي في تحصيله، وفي وقت لاحق يرد الأصدقاء الهبة، ومن خلال إعطاء الدم بشكل مفضل إلى من ساعدها مؤخراً. تتكون التحالفات المتبادلة لدى الشمبانزي بين الذكور، وبين الإناث، وكذلك بين الذكور والإناث.

تقترح نظرية العقد الاجتماعي تطور خمس كفاءات معرفية لدى البشر لحل مشكلة المخادعين والانخراط في المقايضة الاجتماعية الناجحة. يتعين أن يكون البشر قادرين على التعرف على الأفراد الآخرين، وتذكر تاريخهم التفاعلي المتبادل، والتعبير عن القيم والرغبات والحجات الذاتية للآخرين، والتعرف على قيم الآخرين ورغباتهم وحاجاتهم، وتمثل تكاليف ومنافع تنوع كبير من مواد المقايضة. برهن الباحثون على أن لدى الناس آليات لاكتشاف المخادعين، تجلت من خلال إبداء قدرة خاصة على التفكير حين تُصاغ المشكلات المنطقية على شكل عقود اجتماعية. ينزع الناس إلى ان يكونوا متنبهين بشكل خاص للبحث عن أولئك الذين استفادوا من دون دفع التكاليف المتوقعة. وإضافة إلى التكاليف اكتشاف المخادعين، يشير الدليل إلى قدرة متخصصة في اكتشاف ذوي الأحاسيس الغيرية الأصلية. بادئ ذي بدء، قد يشكل اختيار ذوي الدافعية للتعاون بمثابة حلفاء إستراتجية عامة لتجنب التعرض لخداع المخادعين.

يطرح تطور الصداقة مشكلة خاصة أحاطت بها مفارقة المصرفي: فمع أن المصارف تعمل على إقراض الناس الذين يحتاجون هذه القروض، إلا أن أكثر الناس حاجة للمال هم المدينون الأكثر خطورة، وبالتالي ينتهي الأمر بالمصارف إلى إقراض الناس الأقل حاجة إليه، بينما تحجب القروض عمن هم في أمس الحاجة إليها. وبالمثل، فحين نكون بأمس الحاجة للمساعدة من قبل أصدقائنا فإن ذلك يتطابق على الأرجح مع الظرف الذي نكون فيه أسوأ مدينين، أي عاجزين عن رد المعروف لمن مدّ لنا يد العون. يتمثل أحد حلول هذه المشكلة في أن تصبح ممن لا يستغنى عنهم: فإذا كنا نوفر منافع لا يمكن لسوانا أن يوفرها فسيكون أصدقاؤنا مهتمين جداً برفاهنا، وبالتالي سيرغبون في مساعدتنا حين نكون بأمس الحاجة إليها. يتمثل أحد التمييزات المفتاحية في التفريق ما بين أصدقاء أوقات السعد، والأصدقاء الحقيقيين. ننزع إلى معرفة منهم أصدقاؤنا الحقيقيون من خلال سلوكهم تجاهنا حين نكون بأمس الحاجة إلى مساعدتهم. من الممكن أن يكون ذلك الإحساس بالاستلاب الذي يشعر به العديد من الناس نابعاً من واقع سيطرة البشر على العديد من “قوى الطبيعة العدائية”، وبالتالي فمن غير المرجح أن يواجه البشر أحداثاً مهددة للحياة تتيح لنا أن نتعرف من هم أصدقاءنا الحقيقيين – أي أولئك الملتزمين بعمق برفاهنا. ومع أن لدى الناس صداقات، يشعر العديد منهم بأن الآخرين غير منخرطين بعمق في قضاياهم الحياتية.

تم القيام ببعض العمال حول وظائف الصداقة من خلال استكشاف منافعها وتكاليفها المدركة. يكون كل من الرجال والنساء صداقات مع الجنس نفسه، وكذلك صداقات مع الجنس الآخر، إلا أن الدليل يشير إلى وجود فروق جنسية في وظائف الصداقة. يدرك الرجال أكثر مما تدرك النساء أن الحصول على الجنس على المدى القصير يشكل إحدى فوائد الصداقة مع الجنس الآخر. بينما تدرك النساء أن الحماية تشكل إحدى منافع الصداقة مع الجنس الآخر، أكثر مما يدركه الرجال. يدرك كلا الجنسين أن المعلومات عن الجنس الآخر تمثل منفعة مهمة من منافع الصداقة. يتمثل أحد أعباء الصداقة مع الجنس نفسه في التنافس الجنسي الممكن. ويبدو التنافس الجنسي أكثر شيوعاً بين الأصدقاء الذكور عما هو بين الصديقات الإناث، مما يمكن أن يرجع إلى رغبة الرجال الأقوى في الاقتران على المدى القصير، وهو ما يمكن أن يلقي بهم في حمأة الصراع بشكل أكثر تكراراً.

وبالإضافة إلى التحالف الثنائية، يكون البشر كذلك ائتلافات تعاونية – أي جماعات من الناس تستعمل العمل الجماعي لإنجاز أهداف مشتركة. يمكن للتكيفات التي تتيح تكوين هذه الجماعات التعاونية، أن تتطور فقط، إذا كان بالإمكان حل مشكلة الكسب- السهل. تشير الدلائل التجريبية لدى البشر، إلى أن (الأحاسيس العقابية) قد تشكل جزءاً من حل المشكلة الكسبة – السهلين. يدفع الغضب الذي يشعر به الناس تجاه أعضاء الجماعة الذين فشلوا في تحمل قسطهم من أعبائها، الأحاسيس العقابية، مما ينتج عنه عقاب الكسبة – السهلين. حدد العلماء بعض مناطق الدماغ المنخرطة في عقاب الناس غير المتعاونين، وهي مناطق تشير إلى مراكز المكافأة في الدماغ، حيث يخبر الناس مشاعر اللذة حين عقاب من يخرقون هذا التعاون، أو حين السعي إلى الانتقام منهم.

قد يكون إنزال العقاب بالآخرين غيرياً، بمعنى أنه يفرض على القائم بالعقاب كلفة شخصية لا يتغرمها الذين لم يقوموا بالعقاب، مع أنه يرتد بالنفع على الجماعة كلها. وإذا كان صحيحاً أن ( المعاقبين الغيريين) هم غيريون حقاً، قد تكون هناك حاجة إلى من نوع من التفسير لهذه الظاهرة، من قبيل نوع ما من التفسير الانتقاء الجماعي، المتمثل في ” لانتقاء الجماعي الثقافي”. يتمثل التفسير البديل في إمكانية حصول القائمين بالعقاب على منافع شخصية من خلال إنزال العقاب بالكسبة – السهلين، في هذه الحالة الأخيرة، بصبح بالإمكان تفسير هذه الظاهرة من خلال نظرية الانتقاء الطبيعي المعيارية. يشير العديد من الدراسات إلى المنافع ذات الصلة بالسمعة التي يغنمها القائمون على العقاب – حيث يُدركون على أنهم أكثر أهلاً للثقة، وتركزاً حول الجماعة، وأكثر استحقاقاً للاحترام. قد يستفيد القائمون بالعقاب الذي يحققون هذه السمعة على صعيدين – إذا ردعت سمعتهم الآخرين عن محاولة الكسب – السهل وإذا ازداد الطلب عليهم للانضمام إلى الائتلافات التعاونية. وأخيراً، تجدر الملاحظة بأن عقاب الكسبة – السهلين قد لا يرتب أعباءً على القائمين به، كما هو الحال حين يقتصر الأمر على تجنب الكاسب السهل أو تجاهله.

تشير واقعة شعور الناس، بحالة من الألم النفسي الشديد حين يتم تجنبهم أو نبذهم إلى إمكانية وجود تكيف متطور بشكل متلازم لتجنب ارتكاب أفعال تؤدي إلى النبذ. وستكشف الأبحاث المستقبلية بلا شك ملامح تصميمية أخرى لسيكولوجية الائتلاف البشري.

 

Tagged: , , , , , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: