الفصل الثامن: مشكلات القرابة

مشكلات القرابة

 

” أينما صادفنا البشر، فإنهم يبدون اهتماماً شبه وسواسي في مسائل الجنس والقرابة” إدموند ليتش، 1966

 

ملخص:

 

استهلينا هذا الفصل بالتنقيب عميقاً في نظرية هاملتون (1964) في اللياقة المتضمنة، والتي تصاغ بقاعدة هاملتون rb>c – التكلفة بالنسبة للفاعل < الفائدة بالنسبة للمستفيد من الأقارب الجينيين. فلكي تتطور الغيرية، على سبيل المثال، يتعين أن تكون الكلفة بالنسبة للفاعل أقل من الفوائد المقدمة، مضروبة بدرجة القرابة الجينية ما بين الفاعل [ الواهب] والمتلقي. قدمت هذه النظرية، بضربة واحدة حاسمة، جواباً على السؤال حول كيف أمكن أن تتطور الغيرية. إنها وسعت في الآن عينه تعريف داروين للياقة الكلاسيكية (النجاح التكاثري الشخصي) وصولاً إلى اللياقة المتضمنة (النجاح التكاثري للشخص مضافاً إليه آثار الأفعال الذاتية على لياقة الأقارب الجينيين، موزونة بدرجة القرابة الجينية).

واستخلصنا من ثم المترتبات النظرية العميقة لنظرية اللياقة المتضمنة على البشر. فعلى سبيل المثال، 1) سيكون هناك علم نفس متطور خاص بالقرابة، يتضمن آليات نفسية مكرسة لحل مختلف المشكلات التكيفية التي تجابه حين التعامل مع الشقاء، أنصاف الأشقاء، الأجداد، الأحفاد، العمات والخالات، والأعمام والأخوال، 2) سيشكل كل من الجنس والجيل فئتين حاسمتين تميزان بين الأقارب، لأن هذين البعدين يحددان خصائص مهمة لدى العربات الناقلة للياقة الشخصية ( مثلا، يمتلك الذكور سقفاً أعلى على صعيد التكاثر من الأقارب الإناث، كما يحوز الأقارب الأصغر سنا على قيمة إنجابية أعلى من قيمة الأقارب الأكبر سناً)، 3) سوف تترتب علاقات القرابة على بُعد يتراوح ما بين القريب والبعيد، ويتشكل عامل التنبؤ الأساسي بالتقارب من القرابة الجينينة، 4) سيتوقف التعاون والتعاضد بين الأقارب على الصلة الجينية بينهم، سوف يشجع أعضاء القرابة الأكبر سناً الأعضاء الأصغر منهم سناً على أن يكونوا أكثر إيثاراً تجاه الأقارب الجينيين من مثل الأشقاء، أكثر مما يميل هؤلاء الأعضاء أنفسهم لإبدائه طبيعياً من إيثار، 5) مكانة المرء ضمن العائلة ستكون مركزية في تحديده لهويته، و 6) سوف يستغل الناس مصطلحات القرابة للتأثير على الآخرين والتلاعب بهم في سياقات غير قرابية ( مثلا: أخي هل يمكن أن تعطيني بعض النقود؟).

أكدت الدراسات التجريبية أهمية القرابة بما هي عامل متنبئ سلوك المساعدة. وثقت إحدى الدراسات أن نداء التحذير الذي تطلقه السناجب الأرضية يحدث عندما يكون الأقارب الأقربين في الجوار على الأرجح، مع انه نداء قد يكون مكلف لسلامة مطلقته، إذ يجذب انتباه المفترسين إليها. يتطلب مساعدة الأقارب أولاً القدرة على التعرف عليهم. لدى البشر آليات ثلاث على الأقل للتعرف على الأقارب: 1) الارتباط، 2) الرائحة، 3) نظم تصنيف القرابة القائمة على “قواعد كونية” تتضمن مدى البعد أو القرب السلالي، المرتبة الاجتماعية، وعضوية الجماعة. وجدت دراسة أجريت على 300 امرأة من لوس أنجلوس أن المساعدة تتوقف على مقدار القرابة الجينية من الشخص الذي تقدم إليه. أظهرت دراسة أخرى أنه في سيناريوهات الحياة أو الموت الافتراضية، من مثل المخاطرة بالحياة الذاتية لإنقاذ أحدهم من بناء مشتعل، تكون المساعدة قابلة للتنبؤ بها بدرجة عالية استناداً لدرجة القرابة الجينية بين من يساعد ومن تقدم إليه المساعدة. ينزع الناس، في دراسات الميراث، إلى ترك المزيد للأقارب الجينيين (وللزوجات اللواتي يفترض أنهن سيوجهن الموارد إلى الأقارب الجينيين)، أكثر مما يمكن أن يترك لغير الأقارب. تبين دراسات أخرى أن كمية الحزن والأسى التي يخبرها الأفراد مرتبط مباشرة بدرجة القرابة الجينية. تشير كل هذه الدراسات التجريبية إلى أهمية القرابة باعتبارها عاملاً متنبئاً بتخصيص أفعال المساعدة.

يمتد الاهتمام بالأقارب الأقربين إلى الأشخاص الساهرين على علاقات أقاربهم الأقربين الرومانسية، وخصوصاً السهر على الإناث من الأقارب. إلا أن لغياب الأقارب الأقربين، من ناحية ثانية، بعض المساوئ. فالنشأة بدون أقارب أقربين، أو في عائلات من أزواج أو زوجات من غير الوالدين الأصليين، أو مع أنصاف أشقاء يمكن أن يكون مولد للشدة، كما تدل عليه مستويات الكورتيزول الأكثر ارتفاعاً لدى أولاد هذه العائلات.

يشكل الاستثمار من قبل الأجداد حلبة خاصة لاختبار التنبؤات اللاحدسية النابعة من نظرية اللياقة المتضمنة. هنا يدخل انعدام يقين الأبوة، على وجه الخصوص، في اللعبة. فالجد لجهة الأب يتعرض لخطر مزدوج على صعيد انقطاع القرابة الجينية. فمن ناحية أولى قد لا يكون أب أولاده. ومن ناحية ثانية فإن ابنه قد لا يكون أب أولاده بدوره. وعلى العكس من ذلك، فالجدات لجهة الأم هن واثقات 100% بأنهن القريبات الجينيات لأولا بناتهن. وعلى أساس هذا المنطق، يمكن أن نتوقع أن تظهر أمهات الأمهات أعلى مستويات الاستثمار من قبل الأجداد‘ في المتوسط، وأن نتوقع أن يبدي آباء الآباء أقل مستوى استثمار. يتعين أن يبدي النمطان الآخران من الأجداد – أي آباء الأمهات، وأمهات الآباء – أنماطاً من الاستثمار تقع بين هذين الحدين، لأنه في كل من هذه الحالات، هناك فرصة واحدة الانقطاع العلاقة الجينية.

يدعم الدليل التجريبي من كل من ألمانيا، الولايات المتحدة، اليونان، وفرنسا هذه التنبؤات. شعر الأحفاد بأعلى مستويات التقارب مع جداتهم لجهة الأم، وبأكبر مستويات التباعد من الأجداد لجهة الأب. وعلاوة على ذلك، أقر الأحفاد بأنهم تلقوا أكبر قدر من الموارد من جداتهم لجهة الم، وأقلها من أجدادهم لجهة الأب. ومع أن النمطين الآخرين من الأجداد يقعان بين هذين الحدين، من الطريف الملاحظة أنه في كلتا الحالتين، وظف الجهد لجهة الأم أكثر من الجدة لجهة الأب. تستبعد هذه المعطيات الفكرة القائلة بأن النساء يستثمرن في كل فئات الأقارب أكثر من الرجال.

ينطبق منطق مماثل على الاستثمار من قبل العمات والخالات، والأعمام والأخوال وأبنائهم جميعاً. أشقاء الأخت أكيدون أنها أم طفلها، ولذلك هؤلاء الخالات والأخوال أكيدون بأنهم الأقارب الجينيون لبنات وأبناء أختهم. وعلى العكس فإن أشقاء الأخ ليسوا أكيدين من ذلك، إذ قد يكون ابن أخوهم ابن زنى. وهذا ما يؤدي إلى التنبؤ بالاستثمار الفارقي من قبل العمات والأعمام، أي أن استثمار هؤلاء يختلف عن استثمار الخالات والأخوال. وهكذا يمكن التوقع بأن الخالات، على سبيل المثال، سيستثمرون أكثر من العمات.

في دراسة للاستثمار من قبل العمات \ الخالات و الأعمام \ الأخوال، تم تحديد عاملي تنبؤ مهيمن لدى هؤلاء جميعاً. الأول هو أن العمات \ الخالات نزعن إلى الاستثمار أكثر من الأعمام \ الأخوال، وذلك بصرف النظر عما إذا كان الأولاد هم أبناء أم أبناء أخت – وهو ما يشكل تأثيراً إلى الجنس. ثانياً استثمر الخالات والأخوال، أكثر من العمات والأعمام، وهو ما يدعم التنبؤ وهو ما يدعم التنبؤ المحوري. وجدت نتائج مماثلة في الدراسات على مساعدة أبناء الأخوال في مقابل أبناء الأعمام.

فحص القسم الأخير من هذا الفصل المنظر الأوسع لتطور العائلة. نظراً لكون العائلات نادرة بشكل صارخ في المملكة الحيوانية – حيث يوجد لدى 3% تقريباً من كل اللبونات – فإن وجود العائلات بحد ذاته يقتضي تفسيراً. تبعاً لستيفن إملن، تقوم العائلات، المكونة من ذرية ناضجة ومستمرة في العيش ضمن الأسرة، بتوفير شرطين محوريين: 1) عندما يكون هناك شح في شواغر التكاثر خارجها أو 2) عندما تكون هناك فوائد جلية من البقاء في الأسرة، من مثل تعزيز البقاء، تحسين القدرات على التنافس، وتقديم العون إلى الأقارب الجينيين (  وتلقي العون منهم).

تندرج عدة تنبؤات عن هذه النظرية. تتنبأ النظرية، على سبيل المثال، أن استقرار العائلة سوف يكون أكبر حين يكون هناك المزيد من الثروة، وبالتالي فرصاً أكبر للاستفادة من العائلة، وحتى وراثة ثروة عائلية. كما تتنبأ بأن الوفاة المفاجئة لمنجب ضمن العائلة سينجم عنه صراع حول من سيملأ الفراغ ( من مثل الصراع حول الوصول إلى الثروة الوالدية). إنها تتنبأ بأن أزواج الأم أو زوجات الأب سوف يستثمرن أقل من استثمار الآباء والأمهات الجينيين، كما تتنبأ بأن العائلات التي تضم زوجاً للأم أو زوجة أب ستكون تكوينياً أقل استقرار وأكثر تعرضاً للصراع من العائلات المتكافلة جينياً. تم اختبار العديد من هذه التنبؤات على عالم الحيوان، ولكن معظمها ما زال بحاجة لاختباره على البشر.

تعرضت نظرية إملن لانتقاد على عدة صُعد، من ضمنها : 1) أنها تفشل في أن تأخذ بالحسبان واقعة إمكان استمرار النساء اللواتي بلغن سن اليأس في مساعدة عائلاتهن، وأنه ليس بمستطاعهنّ استغلال الشواغر التكاثرية المتوفر، و 2) أن الناس ينخرطون غالباً في مقايضات متبادلة على نطاق واسع مع غير ذوي القربى. يقترح هذان العاملان إدخال تحسينات على نظرية إملن تأخذ بالحسبان المظاهر الفريدة للحيوان البشري.

مع أن النماذج التطورية المبكرة أكدت التعاون المتناغم ضمن أعضاء العائلة، إلا أن النماذج التطورية الحديثة تشير إلى ثلاث حبات مهمة للصراع: صراع الأشقاء، صراع الوالدين – الذرية، والصراع ما بين الأم والأب. ومع أن نظرية اللياقة المتضمنة تتنبأ بأن القرابة الجينية تشكل عامل تنبؤ مهم بالغيرية، فليس لدى أفراد العائلة أبداً اهتمامات جينية متطابقة. وكنتيجة لذلك، يتنبأ بأن يكون الصرع منتشراً ضمن العائلات. يتعين أن يكشف العقد القادم البحث في علم النفس التطوري التكيفات التي طورها البشر للتعامل مع كل من أشكال الصراع العائلي الثلاثة الكبرى.

موجز القول، إن القرابة الجينية تشكل عامل تنبؤ محوري بالاستثمار من قبل الأقارب. وكلما توثقت القربى، كان الاستثمار أضخم. عندما تكون القرابة الجينية أكيدة يكون الاستثمار في أعلى مستوياته، مع تساوي كل الاعتبارات الأخرى. يتناقص الاستثمار عندما تتعرض القرابة الجينية للشبهة من خلال انعدام يقين الأبوة، او من خلال وجود غير أصيل ( زوج أم أو زوجة أب).

تحمل نظرية اللياقة المتضمنة عواقب عميقة على فهم سيكولوجيا القرابة والعائلة، بدأ الباحثون للتوّ في استكشافها.

Tagged: , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: