الفصل الثالث : محاربة قوى الطبيعة العدائية: مشكلات البقاء الإنساني

محاربة قوى الطبيعة العدائية: مشكلات البقاء الإنساني

 

” يتعين على المتعضيات التي تنشد البقاء ألا تقرر فقط ماذا تأكل؟ وإنما أن تتجنب كذلك أن تأكل هي ذاتها” تود،2000

الملخص:

 

شح الطعام، السميات، المفترسون، الطفيليات، الأمراض، وظروف المناخ المتطرفة شكلت جميعاً قوى الطبيعة العدائية التي أنزلت الآفات المتكررة بأسلافنا. ولقد طّور البشر عدة آليات تكيفية لمحاربة معوقات البقاء هذه. ويشكل الحصول على الطعام واحدة من أكثر مشكلات البقاء أهمية. الحصول على الطعام واستهلاكه هما مشكلتان صعبتان ومعقدتان. فبالإضافة إلى مشكلة شح الطعام، تجابه المتعضيات مشكلة انتقاء أي أطعمة تستهلك ( أي تلك الغنية بالسعرات الحرارية والمغذيات)، وكذلك انتقاء أي الأطعمة تتجنب( أي تلك المليئة بالسموم). كما تجابه عملياً مشكلة توفير هذه الأطعمة. تطور البشر باعتبارهم من القوارت مستهلكين تنوعاً واسعاً من النبات والحيوان. نجد من بين التكيفات البشرية الظاهرة تفضيلات طعام نوعية، للأطعمة الغنية بالسعرات الحرارية، وآليات نوعية لتجنب استهلاك الطعام السام، من مثل مشاعر الاشمئزاز في الاستجابة للبراز، وآليات للتخلص من السميات من مثل الغصة، البصق، التقيؤ، السعال، العطاس، الاسهال، ووحم الحوامل. ويستعمل الناس كذلك التوابل التي تقتل البكتريا التي يحملها الطعام، وهي ممارسة انتشرت على الأرجح من خلال الانتقال الثقافي، مما يدعم الفرضية المضادة للجراثيم. ومن المحتمل أن يكون تذوقنا للكحول قد أتى من أكل الفاكهة الناضجة، التي تحتوي على مستويات منخفضة من الايثانول [ مادة مسكرة].

يتمثل واحد من أكثر الموضوعات إثارة للجدل في التطور الإنساني في كيفية حصول أسلاف البشر على طعامهم. قدمت ثلاث فرضيات أساسية بهذا الصدد: فرضية الصيد، فرضية جمع الطعام، وفرضية أكل الجيف. تشير كل الأدلة المتوفرة إلى نمط من حصول الأسلاف على الطعام يتميز بقيام الذكور بالصيد، والإناث بجمع الطعام، ومن المحتمل الأكل الظرفي الطارئ للجيف. تعكس الفروق بين الجنسين في القدرة المكانية تكيفات لكل من الصيد وجمع الطعام. تتفوق النساء على الرجال في المتوسط في المهمات التي تتضمن ذاكرة تحديد المواقع في المكانز ومن المرجح أنه تكيف يسهل الجمع الفعال للنوى، والفاكهة والجذور الدرنية [ من مثل البطاطا والفستق]. ويتفوق الرجال في المتوسط على النساء في المهمات المكانية المتضمنة تخيل وضع الأشياء عند تدويرها ذهنياً، التجوال وقراءة الخرائط – وهي نوع القدرات التي من المرجح أنها تيسر الصيد الفعال.

تتضمن مشكلة بقاء تكيفية أخرى في إيجاد مكان للعيش. طور البشر تفضيلات للمعالم الطبيعية الغنية بالموارد، وأماكن يمكن للمرء فيها أن يرى ويلاحظ بدون أن يُرى، مما يحاكي أسلافنا في السافانا.

تتضمن كل أماكن السكن قوى عدائية تعيق البقاء، حتى تلك الغنية منها بالموارد والتي توفر أماكن للاحتماء. طور البشر تنوعاً من المخاوف النوعية لتجنب هذه الأخطار. يبدو أ مخاوف البشر من الثعابين، العناكب، المرتفعات، والغرباء، على سبيل المثال، تتواجد عبر تنوع من الثقافات وتبرز في أوقات محددة من النمو، مما يوحي بتنميط تكيفي. تبرز المخاوف من المرتفعات والغرباء على سبيل المثال، عندما يبدأ الصغار بالحبو، ويتعرضون بالتالي لاحتمال أخطار الأماكن المرتفعة والغرباء.

يمتلك البشر ست استجابات سلوكية على الأقل للشدائد، المولدة للخوف: التجمد، الهروب، القتال، الرضوخ، اصطناع الموت، والإغماء. وإضافة إلى المخاوف، يبدو أن لدى البشر تحيزات على مستوى الانتباه يمكن التنبؤ بها: إذ بإمكانهم أن يلتقطوا بسهولة صور الثعابين والعناكب ضمن مجموعة من الصور غير الخطرة. كما أننا نمتلك تحيزاً للأصوات المقتربة والداهمة والتي يبدو أنها تعطينا هامشاً إضافياً من السلامة عندما نسمع أصوات خطر يدنو منا. وأخيراً يبدو أن لدى الأطفال ممن لم يتجاوزوا الثالثة من العمر فهماً متمايزاً للموت كنتيجة للتفاعل مع مفترس .

الأمراض والطفيليات هي قوى طبيعية عدائية منتشرة في كل مكان، وخصوصاً للمتعضيات المعمرة. ويبدو أن البشر قد طوروا آليات تكيفية متنوعة لمحاربة الأمراض والطفيليات، وعلى العكس من الحكمة الطبية المتعارف عليها، تمثل الآلية البشرية المتمثلة في رفع حرارة الجسم وتوليد الحمى، وظيفة جسمية طبيعية لمحاربة الأمراض الجرثومية. وعليه فإن تناول الأسبرين أو أي عقاقير مشابهة لمحاربة الحمى لها أثر مفارق يتمثل في إطالة أمد المرض.

ونظرً لأهمية البقاء في الصميمة التطورية للأشياء، يطرح السؤال حول موت الناس ( أو عدم عيشهم طويلاً) لغزاً مثيراً للاهتمام.

تفسر نظرية الشيخوخة هذا اللغز. في الأساس، يكون الانتقاء أكثر فاعلية وقوة في محلة مبكرة من العمر لأن أي حدث قد يحصل مبكراً يمكن التأثير على كامل مدى سنوات الشخص الإنجابية. وبمقدار ما يتقدم الناس في السن، على كال حال، تضعف قوة الانتقاء، ففي الحالات القصوى، أي حدث يحصل لك قبل أن تموت مباشرة لن يكون له على الأرجح أثر على تكاثرك. وهو ما يعني أن الانتقاء سوف يحابي التكيفات التي تعطي آثار حميدة في مرحلة مبكرة من العمر، وحتى ولو حملت تكاليف عالية لاحقاً. فإنتاج التستوسترون لدى الرجال، على سبيل المثال، يبدو أنه يوفر منافع في عمر الشباب على شكل نجاح في الاقتران، إلا أن له عواقب فادحة لاحقاً على شكل سرطان بروستات.

وقد تكون ظاهرة الانتحار أكثر مدعاة للحيرة، أي حين ينهي شخص حياته، أو حياتها عمداً. فهل من المحتمل أن تكون قد تطورت آليات نفسية للانتحار، مما يبدو أنه يصفع مبدأ التطور؟ الجواب هو نعم، تبعاً لأحد علماء النفس التطوري. يحدث اجترار أفكار الانتحار على الأكثر لدى هؤلاء الذين يعانون من توقعات إنجاب فقيرة، ومن خبروا الفشل في الاقتران مع الجنس الآخر ويعانون من سقم صحي، أو لديهم استشرافات مالية هزيلة في المستقبل، وأولئك الذين يدركون أنفسهم بمثابة عبء كبير على ذويهم. تشير الدلائل إلى إمكانية تطوير البشر لآليات نفسية حساسة – للسياقات الحياتية بغية تقويم إمكانات التكاثر المستقبلية والكلفة الصافية على أهلهم الجينيين [ الحاملين لمورثاتهم].

تساعد كل هذه الآليات المتطورة البشر على البقاء بما يكفي لبلوغ سن الرشد. ولكن حين وصولهم إلى هذه المرحلة، يستمر البشر في مجابهة قوى عدائية تعيق بقائهم. إلا أنهم يجابهون كذلك طاقماً جديداً من التحديات التكيفية – أي تحديات الاقتران.

Tagged: , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: