الفصل الأول: الحركات العلمية التي تقود إلى علم النفس التطوري

الحركات العلمية التي تقود إلى علم النفس التطوري

 

” أرى في المستقبل البعيد مجالات مفتوحة لأبحاث أكثر أهمية. وسيقوم علم النفس على أساس جديد يتمثل في ضرورة اكتساب كل قوة عقلية وكل كفاءة بالتدريج” تشارلز داروين، 1859

الملخص:

مرّت البيولوجيا التطورية بعدة مراحل نمو تاريخية. حدس العلماء بحصول التطور – أي التغير في المتعضيات عبر مرور الزمن – قبل داروين على المسرح بوقت طويل. إلا أن ما كان ينقص قبله هو نظرية حول العملية السببية التي بإمكانها تفسير كيف يمكن للتغير العضوي أن يحدث. كانت نظريته في الانتقاء الطبيعي تتويجاً لإسهام داروين في البيولوجيا التطورية. وهي تتكون من ثلاثة عناصر: التغير، الوراثة، والانتقاء. يحدث الانتقاء الطبيعي حين تؤدي بعض التغيرات الموروثة إلى نجاح تكاثري أكبر مما تغيرات موروثة أخرى. وباختصار يُعرف الانتقاء الطبيعي باعتباره تحولات عبر الزمن عائد إلى النجاح الفارقي لتكاثر التغيرات الموروثة.

وفر الانتقاء الطبيعي نظرية موحدة للعلوم البيولوجية وحل عدة ألغاز مهمة. فلقد وفّر أولاً عملية سببية يمكن للتغيير، أي التحول في البنى العضوية، أن يحدث عبر الزمن. كما اقترح في المقام الثاني، نظرية لتعليل أصل الأنواع الجديدة. وهو وحد، في المقام الثالث، كل الأشكال الحية ضمن شجرة سلالة كبرى واحدة، كما كشف في الآن عينه مكان البشر في المخطط الحيوي الكبير. وكونه صمد أمام التقصي العلمي لمدة قرن ونصف من الزمان إلى الآن، ورغم المحاولات العديدة للعثور على ثغرات فيه، يجب على وجه التأكيد أن يخوله للتأهل باعتباره نظرية عليمة عظيمة.

ابتكر داروين نظرية تطورية ثانية إضافة إلى الانتقاء الطبيعي ، الذي يُشار إليه أحياناً باعتباره ( انتقاء البقاء): وهي نظرية الانتقاء الجنسي. يتعامل الانتقاء الجنسي مع تطور الخصائص بسبب النجاح في الاقتران وليس النجاح في البقاء. يشتغل الانتقاء الجنسي عبر عمليتين: التنافس ضمن أفراد الجنس الواحد، والانتقاء بين الجنسين. في التنافس ضمن الجنس نفسه، يكون لدى المنتصرين فرصاً أكبر لزيادة إمكانية وصولهم إلى القرناء الجنسيين. أمّا في الانتقاء ما بين الجنسين، فإن الأفراد الذين يمتلكون صفاتاً مفضلة من قبل الجنس الآخر يكون لديهم إمكانات أكبر للتكاثر. وتؤدي كلا عمليتي الانتقاء الجنسي إلى التطور – أي التغير عبر الزمن بسبب الفروق في النجاح الاقتراني.

مثَّل افتقار داروين لنظرية فاعلة في التوريث حجر عثرة كبير بالنسبة للعديد من علماء البيولوجيا. توفرت هذه النظرية حين تم الاعتراف بأعمال غريغور مندل، وتم توليفها مع نظرية داروين في الانتقاء الطبيعي في حركة أطلق عليها تسمية التوليف الحديث. تبعاً لهذه النظرية، لا يتضمن التوريث المزج بين خصائص كلا الوالدين، وإنما هو توريث دقائقي. أي أن، المورثات، وهي الوحدة الأساسية في التوريث، تأتي على شكل مجموعات متمايزة لا تتمازج مع غيرها ( من الوالد الآخر) وإنما تمرر بدون تعديل من أسلاف الوالدين إلى الطفل. وفرت نظرية التوريث الدقائقي العنصر المفقود في نظرية داروين في الانتقاء الطبيعي.

وعلى أثر التوليف الحديث، بدا عالما البيولوجيا أوروبيان هما كونراد لورنز ونيكو تمبرغن حركة تدعى الايثولوجيا، هدفت إلى وضع السلوك الحيواني ضمن سياق تطوري، من خلال التركيز على كل من أصول السلوك ووظائفه.

في العام 1964 أُعيد صوغ نظرية الانتقاء الطبيعي ذاتها في مقالتين ثوريتين نشرهما وليم د.هاملتون. تبعاً لهاملتون، لا تتضمن العملية التي يشتغل الانتقاء بموجبها مجرد اللياقة الكلاسيكية ( أي الإنجاب المباشر للذرية)، وإنما تشتمل كذلك على اللياقة المتضمنة، التي تتضمن على آثار أفعال الفرد على نجاح توالد الأقارب الوراثيين، مُقاسة من خلال درجة القرابة الجينية. وفرت إعادة الصوغ التي قامت بها اللياقة المتضمنة نظرية أكثر دقة عن عملية الانتقاء الطبيعي،وذلك من خلال الترويج لنظرية (عين جينية) للانتقاء [ الانتقاء من خلال الحفاظ على الذرية وتوفير الفرص لها].

في العام 1966، نشر جورج وليامس كتابه الذي أصبح الآن كلاسيكياً بعنوان: ( التكيف والانتقاء الطبيعي) والذي أحدث آثاراً ثلاثة: فهو أولاً أدى إلى أفول نجم الانتقاء الجماعي. وهو روج في المقام الثاني لثورة هاملتون. كما أنه وفر ثالثاً، محكات صارمة لتحديد التكيفات من مثل: الفاعلية، الموثوقية، والدقة. بنى روبرت ترايفرز، في عقد السبعينات على أعمال كل من هاملتون ووليامس، مقدماً ثلاث نظريات عظيمة الأثر مازالت ذات أهمية حتى يومنا هذا وهي :الغيرية التبادلية، الاستثمار الوالدي، وصراع الوالدين – الذرية.

في العام 1975، نشر إدورارد أو. ويلسون كتابه بعنوان علم البيولوجيا الاجتماعية: توليف جديد، والذي حاول فيه توليف المستحدثات الأساسية في البيولوجيا التطورية. ولّد كتاب ويلسون جدلاً واسعاً، خصوصاً بسبب فصله الأخير الذي ركز فيه على البشر، حيث قدّم بهذا الصدد العديد من الافتراضات، ومع القليل من المعطيات التجريبية.

يمكن رد معظم المقاومة التي لقيها كتاب ويلسون، وكذلك استخدام نظرية التطور لتفسير السلوك الإنساني، إلى عدة حالات من سوء الفهم المحورية. وعلى النقيض من حالات سوء الفهم هذه، فإن النظرية التطورية لا تضمن على حال أن السلوك الإنساني محدد وراثياً، كما لا تتضمن أن السلوك الإنساني غير قابل للتغيير، وأخيراً فإنها لا تتضمن بالقول بأن التطور مصمم بالشكل الأمثل ( الحالة الفضلى).

تسمح لنا الدلة من عدد متنوع من المذاهب العلمية أن نفهم بعضاً من المعلمات الحرجة في العملية التطورية التي أوصلت إلى البشر المحدثين. البشر هم ثدييات نشأت منذ ما يزيد على 200 مليون سنة خلت. نحن جزء من خط الرئيسات الذي بدأ منذ 85 مليون سنة خلت. أصبح أسلافنا يقفون على ساقين منذ 4,4 مليون سنة خلت، وطورا أدوات حجرية بدائية منذ 2,5 مليون سنة خلت، وقد يكونون بدأوا اكتشاف النار وإشعالها منذ 1,6 مليون سنة خلت. ومع توسع أدمغة أسلافنا، بدأنا نطور أدورات وتقنيات أكثر اتقاناً، كما بدأنا باستعمار عدة أجزاء من العالم. هناك نظريتان متنافستان حول أصول الإنسان الحديث هما: نظرية استمرارية تعدد المناطق، ونظرية الخروج من أفريقيا. يجادل البعض بأن الأدلة التشريحية، والأحفورية والجينية تدعم نظرية الخروج من إفريقيا، والتي تذهب للقول بأن البشر المحدثين أتوا على الغالب من أصل أفريقي، وهاجروا لاحقاً إلى آسيا وأوربا، حالين بذلك محل كل الأجناس البشرية الأخرى بما فيها النياندرتال. بينما يعتقد منظرون آخرون بأن الدليل الجيني يتلاءم مع كلا النظريتين، وأن الأدلة الجينية الأحدث قد ترجح الكفة من جديد نحو نظرية تعدد المناطق. ومع أن النيادرتال ازدهر في أوربا لما يزيد على 170 ألف سنة، إلا أنهم انقرضوا من 30 ألف سنة خلت، مما يتطابق مع قدوم البشر المحدثين على الصعيد التشريحي. ويظل الانقراض المفاجئ للنياندرتال لغزاً علمياً.

وفي الوقت الذي كانت تقوم فيه تغيرات ضمن البيولوجيا التطورية، كان علم النفس يتبع مساراً مختلفاً، وهو مسار كان جوهرياً لتكامله النهائي مع النظرية التطورية. لفت سيغموند فرويد الانتباه إلى أهمية البقاء والجنسانية من خلال طرح نظرية في حفظ الحياة والغرائز الجنسية، موازية لتمييز لدراوين ما بين الانتقاء الطبيعي والانتقاء الجنسي. في العام 1890، نشر وليم جيمس كتابه ( مبادئ علم النفس) الذي اقترح أن لدى البشر عدداً من الغرائز النوعية.

إلا أن في العام 1920 تحول علم النفس الأمريكي بعيداً عن الأفكار التطورية وتبنى صيغة من السلوكية الرديكالية : وتتمثل في الفكرة القائلة أن بإمكان عدد محدود من مبادئ التعلم العامة جداً تعليل تعقيد السلوك الإنساني. ولكن في عقد الستينات بدأت تتراكم معطيات تجريبية أوحت باختراقات مهمة لقوانين التعلم العامة. برهن هاري هارلو على أن صغار القردة [ معزولة عن أمهاتها الأصلية] لا تفضل تمثال الأم المصنوع من أسلاك معدنية مع أنها كانت تحصل منه على التعزيز الغذائي الأولي. بين جون غارسيا أن المتعضيات يمكنها أن تتعلم بعض الأشياء بناء لاستعداد مسبق وبسرعة. وهو ما يُشير إلى أن شيئاً ما كان يحدث داخل أدمغة المتعضيات. مما لا يمكن تعليله من خلال احتمالات التعزيز الخارجي وحدها.

أدى تراكم هذه المعطيات إلى الثورة المعرفية، مما أعاد الاعتبار إلى أهمية النظر ” داخل رؤوس ” الناس. كانت الثورة المعرفية، تركز على نموذج معالجات المعلومات – أي وصف الآليات في داخل الرأس التي تأخذ أشكالاً نوعية من المعلومات بمثابة مدخلات، وتحول هذه المعلومات من خلال قواعد اتخاذ القرار، ومن ثم تولد السلوك بمثابة مخرجات.

هيأت الفكرة القائلة أن البشر قد يولدون مستعدين مسبقاً أو مجهزين بشكل خاص لمعالجة بعض أنواع المعلومات، وليس سواها، المسرح لبزوغ علم النفس التطوري، الذي يمثل توليفاً حقيقياً لكل من علم النفس الحديث و البيولوجيا التطورية الحديثة.

Tagged: , , , , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: