خيبة

أمشي بطريقي في ظلمة تمتد في ليل الروح البارد، أحلم بأطياف تحرك الدماء في عروقي فيعيد جريانها الدفء لأفكاري وتبعث الحياة لواقع قطبي المشاعر. تلك الريح المتجمدة قد سكنت قلبي وغلفت عالمي يوم لمست قعر جرة سر الحياة لأراه أجوف لا يحوي النجاح والسعادة المطلقة بل مجرد رياح باردة جليدية لا تحمل أي حياة، فكشفت الغطاء عن بصري وأجلت بصيرتي فأرى الأمور على حقيقتها، تماثل جوهر الحياة ، لا أرى سوى تماثيل جوفاء لا قيمة ولا جوهر فيها . يشكل اكتشاف الحياة أنها جوفاء الحقيقة الأكثر قسوة، هي الحقيقة التي تفقدنا كل معنى لما ما هو ذي معنى وتفقد بالوقت ذاته كل القيم العليا مضمونها ورونقها حتى أكثر الأمور روعة في الحياة ستكون رمادية لأنها قشرة ناعمة الملمس لحقيقة جوفاء كحبة جوز هند فارغة!! إن الكثير يفضلون البقاء في ذلك الغلاف الملمع بالمغريات والأمنيات الذي تحيط الحياة سرها به، سرها الأجوف. لن تخلع الحياة بهرجها لك لتقف عارية كاشفت سوء طلتها إلا بعد أن تجردك الظروف من كل أسلحتك فتكون العاجز عن أي حراك، بذلك تنفذ من تلك القشرة الغليظة للسرور والشرور لتدخل الجوهر الأجوف. لن تخاف منك إن تعرت أمامك فأنت مكبل بخيبتك، مسلوب الإرادة لن تقدر على الحراك ولا حتى الصراخ فزعاً عند الكشف عن حقيقتها لأنك بضعفك هذا لن تجد من يصدق ما رأيته فالكل مغشي عليه بمغرياتها وفنونها والركض الحثيث لجمع متطلبات الرفاهة المذلة في كل معطيات الحياة. كم عليك أن تعاني من ألام التجرد والضياع كي تخترق تلك الأغشية البليدة للوصول للجوهر؟ الكثير بكل تأكيد، لكن لن يكون ذلك الانكشاف هدية لك لاجتيازك كل تلك المحن وأنت محاولا فهم ما يجري، بل هو العقوبة الأكثر قسوة، لأن هذه ستكون خيبتك الكبرى التي لن تقوم لك قائمة بعدها ولا حتى بالصدمات الكهربائية، إن عري الحياة أسوأ بكثير من أن ينسى. ستمر في طريقك هذه على حالات كشف عظيمة، ستشكل الطريق المميت لخيبتك الكبرى، هو كشف الأرواح على حقيقتها. ستجد وأنت تسير في هذا الدرب كيف تزيل الرياح الباردة لجوهر الحياة القمصان المزيفة التي يتستر كل واحد خلفها، إنها ليست أقنعة وجوه فقط بل لباس كامل للرياء والخديعة. ستجد كيف أنك أضعت الكثير من عمرك لأجل كذبة لا دليل عليها بقيت مخلص لها ردحاً من الزمن، وسيبلل الدمع خديك لكثرته وأنا ترى أن قلوب أحببتها خانتك بأشد لحظات الإخلاص، وأن من سهرت لأجله لم تأتِ بباله إلا كطرفة عين. ستجد أن الشر يسكن بواطن الخير وكيف ترتكب الرذائل في الأفنية المقدسة وفي الحدائق الخلفية للفضيلة!! سترى أن الكثير من الدموع قد زهقت على مذبح  الغباء كأضحية للخديعة، سترتجف يديك وأنت ترى ثلج الحياة يسكن قلوب بريئة الغلاف توقعك مغشياً عند الكشف على حقيقتها، كم من كلمة ” نعم” كانت تعني “لا، مطلقاً” ستجد أن تلك القمصان تعكس الحقائق كشريط يسير بشكل معاكس فيحكي لك عكس ما قيل تماماً. فقط عندما ينكشف أمامك الجميع وتموت كل القلوب في قلبك وتسقط كل قيم تصبح مهيأ للخيبة الكبرى، مستعد بدرجة عالية من العجز كي تتعرى أمامك الحياة فتهب الرياح القطبية المتجمدة عليك وللحظة فقط من الذهول يستقر جزء من الحقيقة الباردة كل ذرات دمك فتنكشف الأمور كلها ودفعة واحدة بحيث لا يبقى للشك مكان، لا شيء سوى يقين بارد يملئ جوفك. بهذا تكون قد انتهيت أنت من الداخل لتعيش شتاء أبدي، عصر جليدي لا ينتهي ولا تقدر أي شمس أو لمست حنان على إذابته.

Tagged: , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: