نسيان

حملت قدري على كتفي وتتبعت طريق أحزاني، فأتعبتني من ثقلها أفكاري!! وعلى خطى النسيان، تباطأت خطاي، ومن قسوة الريح واشتداد العواصف خبت النار في قلبي، فأصبح الصقيع يسكنني حتى ترتجف لشدته أطراف أصابعي. أمشي فقط، لا أعرف إلى أين ولماذا، هكذا أنا منذ هجرتني أحلامي، يوم خبا النور في عيني وما عاد مما بصرت به بالأمس أمامي. تغيرت الدنيا في عيني فاستحالت درب موحل بالكره والحرمان، درب اختبأ الحقد فيه خلف فخاخ من الورد، والوعود بالحياة كانت تتسر على الكثير من الموت، موت الحياة. حتى أجمل الكلمات ما عادت تلمس قلبي منذ تحجر بكتل ضخمة من اللامبالاة التي ووجه بها منذ سلك ذلك الدرب الغادر أقف هناك، متعباً من رحلتي، في الزاوية المعتمة من الدماغ، في ذلك المنفى البعيد الجاف والقاتم حيث تحرق الذكريات. في أقصى زاوية حيث لا يمكن أن يصل أحد سوانا. وقفت أتأمل تلك المحرقة الكبيرة، ذلك الكم الهائل من الأيام والصور والأحداث المتشابهة، التي لكثرة تشابهها وكأنها مضت خارج حدود الزمن بصمت دون تكات عقرب الساعة، كحلم سريع، أرى عن قرب وجوه أشخاص مروا من أمامي في وقت مضى لم انتبه إلى نظراتهم إلي، أتابع الحزن والتعب في ملامحي عن قرب أكثر. أرى نفسي فأنكرها، من هذا الذي يقف في مكاني، لما كل هذا الإرهاق في عيني؟ أحاول رؤية أيام ما رأيتها عندما كنت أعيشها، أسترجعها، أدقق فيها، أبحث فيها عن ذكرى أو كلمة أو حتى نظرة تستحق أن تشغل جزء من ذاكرتي وأرميها جميعاً في المحرقة الكبرى واستبقي على الرماد في مكان آمن. إننا نمارس فعل القتل حقيقة عندما ننسى، إن النسيان سحر وقوة فاعلة لدينا، فيكفي أن ننسى زمناً أو شخصاً حتى نجعله في تلك المحرقة الكبيرة، ونصفو نحن بعدها من الذكريات، ولكن ما معنى أن نكون أشخصاً بلا ذاكرة، ألن نكون مجرد دمى تسير في وقت حاضر فقط، فكيف لنا أن نحلم بدون ذاكرتنا حلوها ومرها؟ ولكن هل لنا أن نستخدم ذلك السلاح بانتقائية تامة فنكون بذاكرة مرتبة على هوانا؟. إنها صورة قاتمة تماماً ترتسم لنا إن عملنا على النسيان التام لماضي مؤلم، هل هي شجاعة أن ننسى أم أن نعتمد على تلك الأيام المرة فنزرع فيها بذرة للمستقبل ونجعل ألم الماضي دافعاً لواقع أفضل فيما بعد؟ يبدو ذلك شيء أكثر مثالية، ولكن يبدو الأمر كما يقول سارتر” إننا مخيرون في موقفنا من الماضي، إما أن ننساه أو نعيش فيه كذكرى جميلة” ولكن وإن كان الماضي جميل والواقع مر، فما الفائدة من الرجوع إلى ما يستحيل عودته؟ أرى أن نقف موقف أكثر اعتدال من ماضينا فهو جزء منا مهما حاولنا الهروب منه، وبالمقابل فقد انتهى مهما حاولنا الرجوع إليه، إن تقبل الأمور بمرارة خير من العيش في الوهم بسعادة مصطنع مهما طالت فستصطدم بواقع فج قاسي وتكون الأيام قد هربت دون أن ندري بها. ولكن أليس النسيان أمر ما أن نتطلبه حتى يستعصي علينا، أليس أداة تعمل لوحدها خارج نطاق رغباتنا؟ كم مرة نسينا اسم صديق عزيز أو موعد عيد ميلاد حبيبة؟ وبالمقابل كم هي المواقف المخجلة أو السلبية التي مررنا بها ولم نستطع نسيانها؟ وكأن النسيان يقف خلف الباب أو يسير في الممرات الخلفية للرغبة والشعور فيتربص بها ويعمل عكسها تماماً ماحياً ما ترجو أن يبقى ومؤكد على ما تبحث عن نسيانه. إن الشخص الذي لن تنساه أبداً هو نفس الشخص الذي قررت أن تنساه إلى الأبد، بل ستذكره في كل يوم و ربما أكثر من مرة في اليوم الواحد!! إنها نوع من القسوة يمارسها علينا القدر بذلك السلاح التي يتنكبه هو، لا نمسك به نحن. وبهذا تكون الذاكرة عدو لنا في الكثير من الظروف، إلا أن قمنا بمسح تام لذاكرتنا فلا نبقي فيها شيء، وهذا أمر يسبق الفعل نفسه، أي أن نقرر النسيان قبل أن ندخل تلك العلاقة أو ذلك الموقف. بذلك فقط نخرج بلا ذاكرة تقريباً سوى القليل من الرماد الذي لا ينفع ولا يضر بشيء. علينا أن نقرر النسيان قبل أن نبدأ لا بعد أن ننتهي، بذلك نخدع النسيان نفسه، ونستبقي على ذاكرة قديمة قد نكون فشلنا في مسحها أو أننا نحن نرغب في الاحتفاظ بها لما تحويه من أمور جميلة أشياء نرغب في استرجاعها على نحو كأنها انتهت منذ قليل تاركين ذلك الفراغ من الزمن الذي لم نسمح له بتخزين شيء.

Tagged: , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: