ليلة ماطرة

عندما يهبط الليل، تهبط الأحزان وتتسلل الآلام وتصحو الذكريات من سكرات النهار وضجيجه، إن الذكريات كائنات ليلية النشاط تمارس نشاطها سراً كأنها إثم أو رجل مخابرات، تتسلح بصور من نحب وتهاجمنا بالحنين لنستسلم لها رافعين أيدينا شوقاً لما تأتي به، نسلمها قلبنا وتضج أحاسيسنا هاربة من زنازين العقل وأحكامه، تهجم دفعة واحدة لتكسر مجرى الدمع فتنهال العبرات ساقية الوسادة بعبق الحنين المالح. نهرب للنوم من الذكريات لنقع في فخ الأحلام فتلبس الذكريات زخرفها وتبدأ بسحبنا إلى أعماق تلك الأيام حلوها ومرها، ترسم لنا ما نرغب فيه خفية، تسمح لنا أن نظهر ذلك الخوف الذي نخفيه وتلك الرغبة الشديدة في لقاء الأحبة، نراهم معنا كأننا لم نبتعد، بل هاهم يجلسون ويتكلمون، عيونهم تتكلم أكثر من ألسنتهم، نفتح معهم أحاديث غربتنا وبعدنا ومتاعبنا، ويشتكون ويطلبون منا ألا نغادر ونبقى بصحبتهم، ذلك الألم العميق الذي يشق الصدر لحظة الوداع، نعيشها ونحن نغادر الحلم إلى الواقع وكأن البوابة التي تفصل بين الواقع والحلم صنعت من لحم ودم!!

بين الحنين والحب والواقع وضروراته نتناثر أشلاءً فما أن يأتي الليل بخيوط كآبته الرمادية المرتسمة على أطراف الغيوم التي تضغط على مقلتيها خشية البكاء، يتسلل الشوق مع نبضة قلب واحدة رويداً رويداً في الشرايين حتى يتوزع في الجسد كاملاً فيصبح حالة عامة، يختفي فيها الآخرون عن أمامي أعيننا ونصبح وحيدين مع أشواقنا. يدخل الشوق إلى الدماغ بعد أن ينام الحارس متعباً من يوم عمل شاق كان حريصاً فيه على أبعاد كل ما هو مؤذ ومستفز من حنين وذكريات وأشواق إلى مسارب العقل وطيات الدماغ، حريصاً على ألا يخل أحد بنظام العمل فيبقى القلب منتظم بضرباته والصدر هادئاً خالية من أية عواصف رعدية أو أي زلزال!! يأخذ الشوق مكانه في قمرة القيادة، يوجه الإمكانيات كاملة لمخططه الاستبدادي. أنه يحرك الأفكار والمشاعر والعضلات، ويحرك الروح لتتجه إلى قلب من نحب، أولئك الذين سكنوا القلب فما هجروه رغم بعدهم، رغم جفاء الأيام وصعوبة الوصول. يدفعنا بقوة لنتخذ قرارات مجنونة بحجم جنون الحب، أو أقل من حرقة الشوق، يدفعنا لنسافر بعيداً جداً إلى عيني حبيبة و يد أم و كلمة أب وهمسة رقيقة مازلت تلامس شغاف القلب.

هي قدرة غربية يمتلكها الحنين وشيفرة خاصة يعلمها وحده كيف يفتح خزائن الذاكرة المحكمة الإغلاق وكم من رشوة يدفعها كي يحصل على ذلك الكم الهائل من تدفق المشاعر حتى يكاد قلبنا يخرج من مكانه لتسارع ضرباته متأثرة بذكرى أو صوت أو كلمة ممن نحب، تأثير سحري عندما تسمع الهاتف يرن معلن أن حبيبة تطلبك لتحدثها ولكن الخيبة تكون كبيرة عندما تدرك أن كل ما تسمعه هو صدى ذكرى تتردد في القلب فيسمعها العقل مصدقاً كذبت قد كتبها خفية من قبل، أو تلمس في المنام يد أمك فتشعر بدفئها وحنيتها وتسمع صوتها يتردد في بالك طويلاً وطويلاً وهي تناديك باسمك.

 إنها لحظات صعبة وقاسية تلك التي يعانيها المغترب قسراً عن أهله وأحبته، لحظات لا يشاركه بها أحد في ليل المدن البعيدة، والشوارع المبتلة المقفرة في ليلة خريف ماطرة.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: