قلوب جائعة

من بين جميع الحضور أوقفته ابتسامتها، وبدل التفكير بنفسه راح يفكر بعينيها لعله يجد فيهما حباً، يجد نفسه التي أضاعها منذ سنين. أما هي فقد رأت فيه ذلك الحنان الذي فقدته منذ فقدت طفولتها عندما قالوا لها لقد أصبحت كبيرة، عليك العمل والتصرف كالكبار!!!

تقذف الحياة بنا فجأة ودون سابق إنذار عبر مخاض عسير من رحم أمهاتنا إلى أيدي البشر وذلك بعد فترة تكوين لأجسادنا كي نتمكن من مواجهة التغيرات القادمة، نربوا ونكبر ضمن كنف أسرة تتولى تأمين متطلبات حياتنا حتى فترة من العمر وتعمل على تجهيزنا لمواجهة الحياة رويداً رويداً لندخل ذلك البحر الهائج بسفن قوية متماسكة تقوه على مواجهة الأمواج والأعاصير ولكن أي خلل في بناء هذه السفينة سيكلفنا الكثير، فإن ترميم السفينة بفترة ما من العمر يصبح مستحيلاً وإن لم يكن مستحيلاً فهو صعب جداً سيكون الثمن هو الزمن الذي لا نمتلكه والأحزان التي ستعلق على جدران القلب وأشرعة السفينة !!!

يعلموننا تناول الطعام والذهاب للمرحاض بمفردنا، يعلموننا الكلام والخداع وحتى الكذب ولكنهم ينسون أن يعلموننا كيف نحب، يعطوننا الكثير ولكن ينسوا أن يمنحونا الحنان. نبني سفن مشوهة سفن بلا مجاديف أو أشرعة سفن لا يمكن لها أن تبحر إذا ما هب عليها الهوا أو أجتاحها أمواج الشوق والحب !!!

يقول الحكماء والفقهاء وأهل الرأي والكلام أن العقل هو القبطان وسيوصلك لبر الآمان. تغرس في الكثير منا هذه الكلمات ويفرض علينا أن نخضع لسلطة العقل بشكل مطلق خشية الانحراف أو انجراف السفينة. تتخفى رغباتنا ومشاعرنا تحت أغطية ملونة أو نحبسها خلف جدران معدنية صلبة نسميها تلطيف مِنا الآداب العامة وأخلاق المجتمع، فنكبر ونحن نراكم و نزين هذه الأغطية ونزيد من سماكة تلك الجدر ونترك عواطفنا حبيسة صغيرة طفولية لم تتجاوز مرحلة الحبو بعد. لكن هذه المشاعر لن تستلم لسجنها فهي من طبيعة الحياة.

 نضع أهدافنا ونبني خططنا متأثرين بواقع سيطرة العقل المجرد لتجيء هذه الخطط مجردة مثالية، فتهرب عواطفنا ومشاعرنا في لحظة حلم جميل يعطي لهذه الخطط شكل مختلف لكننا نسرع للهروب من هذه الأحلام رغبة منا في السيطرة على الطريق إلى الهدف. لكن تبقى حسابات الواقع مختلطة وغير مجردة وغير عقلانية بالمطلق !!! فقد ثبت أنه مهما كانت الحسابات واقعية فإن الطريق إلى هذه الأهداف طويل ووعر صعب يحمل الكثير من التفاصيل الغير محسوبة مهما بلغ إدراك العقل من حد، فالتفاصيل الصغيرة والأحداث الكبيرة تلعب دور في إبطاء السير إلى الهدف أو حتى إلغاء الخطة. تفاصيل صغيرة تواجهنا كالحصى على سكة القطار فقد تتسبب في اهتزازه فقط أو تبطئ سيره وقد تحرفه عن مساره بشكل كامل. غالباً ما تكون هذه التفاصيل الصغيرة هي لا شيء سوى مشاعرنا المدفونة – كما نعتقد – التي تجد طريق لها أو سرداباً لتظهر في طريقنا فتعثرنا لعلنا نفتح له الباب لتتنفس قليلاً. ولا تقف المشاعر عند ذلك الحد بل تتحين الفرص لتخرج من سجنها، فقد تأتي حادثة عاطفية جميلة غير محسوبة تعطي القلب دفة القيادة ليغير طريق المركب لهدف مختلف، هدف عاطفي، أو إشباع رغبة، أو تخفيف عن الروح من وطأة المثاليات العقلية. لا تدخل هذه التفاصيل في الحسابات العقلية لغرور العقل وقدرته الزائفة على السيطرة على المشاعر ، فتجربة حب صغيرة أو نظرة حنان من عينين ساحرتين قد تشعل ثورة العواطف ضد الاستبداد والدكتاتورية العقلية إلى حد قد ينقلب ذلك التشدد والقمع العقلي للمشاعر إلى فوضى للمشاعر وسيطرة تامة لها على المسالك الفكرية رغبة في إشباع التعطش العاطفي الذي عاناه القلب من فترات الاستبداد الطويلة. هي ثورة لا تختلف عن ثورة الشعوب المستبدة والمظلومة، لا ترحم وترغب في الحصول على كل شيء كما فقدت كل شيء لفترات طويلة من الزمن.

إن النشوء في بيئات تتميز بالشدة والنظام الصارم وإتباع البروتكول في كل شيء يقود لمثل لهذه الأخطاء والانهيارات العاطفية. تعمل هذه الأسر على إعداد أبنائها بشكل مجرد من الحنان والعطف بل بإتباع قوانين مجردة جافة في كل شيء، كما وينطبق الحال على الأسر المادية تماماً والمشبعة بروح المادة والمجردة من العاطفة الأسرية، تلك الأسر التي تعمل على منح أبنائها المال ولكن تحرمهم من الحنان والعطف. في كلا الحالتين تنشأ أجيال فارغة من الداخل لا تجد السند الروحي الداخلي لمواجهة الأعاصير التي يتوجب عليهم المرور بها لتحقيق تلك الأهداف التي رسمها لهم أهلهم أو رسموها لأنفسهم.        يعيش الشاب ممن هم في أسر صارمة تحت وطأة نوعين من الضغوط، خارجية تتمثل بالسلطة العائلية والاجتماعية، وضغط آخر داخلي متمثل بضجيج المشاعر داخل سجنها. تعاني الفتيات أكثر من الشباب من شدة هذه الضغوط وذلك لكثرة الضغوط أكثر عليهن من المحيط مقارنة بالشاب وكذلك لضيق ساحات التنفس التي تمنح لهن فيظهر لديهن بوضوح مظاهر التوتر والقلق الناجمة عن هذا الصراع بين هذين النوعين من الضغوط ولكن يبقى حال هذه المجموعة أفضل من الثانية في حال توفر لها مجال ولو بسيط للتخفيف من وطأة الضغوط. لكن النوع الثاني من التربية المجردة من العواطف والصرامة معاً تلك التي توجد في الأسر التي تتبع البذخ مادي فقط أو الحياة المادية تكون عواقبه أسوأ بكثير من الحالة الأولى في حال لم تتدخل جهات تعمل تقنين المشاعر والفوضى التي تسيطر بها على الشخص الخاضع لها وحدها فقط دون أي رادع عقلي أو تربوي أو أسري، ذلك أن سلطة المشاعر غير محدودة وتكون مثل النار كل ما أعطيت أكثر طلبت المزيد.

يبقى الحرمان العاطفي أي كان شكله الخطر الأكبر الذي يواجه الأسر والأفراد دون الالتفات له بالشكل المناسب ليخلق لدينا أزمة أكبر وأضخم من مشاكل الطعام والمياه، فأكثر من تلك الأفواه الجائعة التي تعد بالملايين حول العالم الفقير توجد الملايين من القلوب الفارغة التي تعاني من الجوع العاطفي والظمأ الشديد لأي نوع من مشاعر العطف والحنان. يكون طبعاً العطف الأسري هو السبب الرئيسي لعدم التوازن هذا، فهو الباني والموجه والمتنفس الأساسي لعواطف الإنسان، فمن لم ينم في حضن أمه أو يبكي على صدرها ولم يلعب على رجل أبيه أو شخص يعوض مكانهما في حال غيابهما، شخص يمنح الطفل الحب ليشبع به في طفولته ويتعلم كيف يمنح حنانه للآخرين. وبذلك يكون الأهل أولاً هم المسؤولية عن حالات التشوه العاطفي التي نراها بكثرة في المجتمعات وكذلك المدرسة والمجتمع المصغر ثم المجتمع كاملاً، فالمجتمع مطلوب منه بناء عواطف مستقرة وبشكل متوازن لدى مواطنيه قدر الإمكان مع استبعاد الحالات الفردية ودور المحن والأزمات الكبرى في تشويه هذه العواطف كما يحصل في الحروب.

تنمو التشوهات العاطفية مع الطفل في مراحل عمره المختلفة ويصعب إصلاحها كلما تقدم في العمر أكثر، لأن الطفل يتعلم كيف يحب ويكره ويصرخ ويبكي قبل تعلمه النطق والمشي وطلب الطعام فهو يعبر عن مشاعره قبل التعبير عن متطلباته، ويسبق بناء العاطفة بناء العقل كونها غرائز توجد في أصل الإنسان لا خبرات يكتسبها. بذلك يكون أي تشوه حاصل في البناء العاطفي في الصغر شرخ نفسياً في شخصية هذا الكائن ليصبح كالأرض المتشققة الجافة التي تطوق للمياه العذبة.

إن كان من المثالية التحدث عن التوازن المطلق بين العقل والمشاعر يبقى من الواقع أن نتحدث بطريقة ألا يموت الذئب ولا يفنى الغنم، فيجب للعقل أن يضبط تصرفاتنا ويرسم خططنا في بحثنا عن المصير بشكل جيد ولكن بأخذ الاعتبار للمشاعر والتفاصيل الصغيرة التي تنبع من داخلنا فهي على الأقل يمكن توجيهها وتقنينها وبذلك لا نترك أنفسنا ومشاريعنا ضحية نبضة قلب أو نظرة عين مجنونة أو حتى كلمة قاسية تفجر مشاعرنا دون إذن منا. يبقى الأمر بأساسه منوطاً بالأهل في محاولة منهم لبناء مشاعر وعواطف أبنائهم بشكل جيد من خلال إعطائهم من الحب والحنان أكثر من المال والطعام فلا يكفي أن تشبع بطونهم وتجوع قلوبهم، فيبحثون عمن يعطيهم عطفاً وحناناً ولو بالمال، يتحولون إلى متسولين يشحدون الحب ويقفون على أبواب القلوب يطرقونها لعلهم يجدون فيها دفءً لطالما حرموا منه منذ سنين طفولتهم.

Tagged: , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: