أربعينية الرحيل – النازح

يجلس على الأرض متكئ برأسه على الجدار ، يتصبب العرق منه، زاغت عيناه من التعب وتشقق بلعومه من العطش فما عاد يستطيع التكلم. إنه في الشعبة 3 \ 2، أنهى لتوه تجهيز الصف ليكون غرفة معيشة، استبدل مكان المقاعد حصيراً وبعض ومطارح للجلوس، ومكان طاولة المعلمة وضع أواني الطعام. يذرع ببصره المكان، أمامه ساحة المدرسة، فهي أشبه بمنزل عربي قديم فيه الكثير من الغرف ولكن لا يوجد فيه مطبخ أو حمام، تقف لجوار المدرسة كنيسة قديمة يعلوها صليب زجاجي محطم من أحد جوانبه، تطل العديد من الأبنية على فناء المدرسة، لهم هنا جيران جدد لم تدل نظرات الاستقبال عن ترحيب بالسكان الجدد، هذا هو مسكنهم الجديد. يلعب أولاد أخوته في ساحة المدرسة فهم لا يدركون الحال الذين باتوا فيه ولا يفهمون معنى كلمة ” نازح ” تمنى لو أنه أيضاً لا يدرك معنى هذه الكلمة الثقيلة على كرامته، لماذا يجب أن يكون نازح في مدنيته؟ ألا يملكون بيتاً جميلاً متسعاً؟ هم لم يرغبوا أن يغادروه ، فلماذا يوافقوا على أن يسموا نازحين؟ ما أبغض قوانين البشر وتسمياتهم، يجبرونك على شيء تكره ثم يطلق عليك أسماً تبغضه. ولكن ممكن أن تحصل على امتيازات خاصة، ففي هذا البلد تتدخل الوساطة والمحسوبية حتى في النزوح، لحسن حظهم هذه المرة أن لهم حظوة في قطاع التربية فسمح لهم باللجوء لمدرسة صغيرة خاوية من النازحين، سيكون لهم ألا يزاحمهم أحد في بؤسهم هذا،  ففي هكذا ظروف سوف تحسد لقلة نصيبك من البؤس فتستطيع أن تتجرعه لو حدك وعلى مهل. ذلك أن باقي المدارس قد اكتظت بألاف النازحين الهاربين من ديارهم، لا يسمح في تلك المدارس للأسرة بأكثر من غرفة واحدة ومراحيض مشتركة للجميع، كما لا مكان ليطهو فيه بل ينتظرون المعونات من المحسنين. من مفارقات القدر أن تقصف مناطق الفقراء والمعدمين أولاً، هؤلاء في وقت الرخاء لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم، فكيف الآن والحال معطلة منذ 3 أشهر وغالبية الناس قد توقفت أعمالهم. لقد خرجت الألوف من مساكنها خلال هذه الفترة خشيت القصف الذي ما كان ليهدأ ليلاً أو نهاراً لترى نفسها في الطرقات، البعض من هذه الأسر خرج بسرعة فلم يحمل معه شيئاً سوى روحه التي يخبئها بين أضلعه.

رغم رفضه أن يفطر في هذا الشهر إلا أنه لم يجد بداً من شرب الماء كي لا يسقط أرضاً، لقد فطر خفية كي لا يفضح أمره بأنه ضعف ولكن ما يفيد لو عرف الجميع، فاليوم انهارت جميع القيم لديه فلم يعد لأحد عنده اعتبار ولا لشيء قيمة، فهاهو يجبر على الخروج من منزله ليترك خلفه الكثير من الذكريات وزهور الياسمين، ويجبر على أن يفطر في صومه، بل وأن يجلس في حماية من أخرجه من منزله. إن من أصعب الطعنات هي أن تطعن في ذاكرتك وأصعب فراق هو فراق كل شيء دفعة واحدة. لقد اختبر هذا الشعور اللعين اليوم، خرج وعيناه تدمعان وقلبه يصرخ بحرقة دعوني أبقى هنا لأحرس الهواء والحجارة، دعوني أبقى لأسقي الزرع واطعم الطيور. تغيرت ظروف الحياة رأس على عقب وكأن الله يعاقبه على أمر ما، أو يهيئه لأمر ما. عند خروجه سمع صوت الجدران تقول له هذا موعدنا الأخير، صوتها دوى في جدران قلبه وهز أركان عقله، أنه العاشق الذي سمع كلمة الوداع من حبيبته وهو يفارقها قسراً عنه، لا يرغب في أن يفلت يديها ولكن لا سبيل للبقاء، فأي جحيم هذا الذي يعيشه وهو يتركها وحيدة تحت نيران الحاقدين.

يجتمع الجميع حول طعام الإفطار، لكن من سيأكل، هذا الطعام أعد هناك وسيأكل هنا، هكذا تنقلب الأقدار بسرعة بلحظة تكون فيها عيوننا شاخصة من هول سرعة تبدلها، لا يملك المرء شيء في مواجهتها سوى أن يقف فارغ فاهه من هول ما يرى. مازال من هول الصدمة كالمغشي عليه لا يصدق ما يحدث، لم يستطع تناول الطعام البارد، ولم يستطيع الجلوس إلى الأرض مطولاً، فكل هذا جديد وغريب عليه ولم يعتده من قبل. إن عليه الآن مهمة أصعب من تلك التي سبقتها، عليه أن يعتاد الكثير الأمور الجديدة والأكثر من ذلك أن يعتاد الاشتياق والقلق. مازالت الليالي السود تغطي المدنية فالكهرباء تقطع أكثر من 22 ساعة فلا يملك شيء ليفعله سوى أن يوثق أحزانه. في هذا المكان تسمع أصوات القصف ولكن لن تخش أن تسقط عليك لأنها بكل بساطة تخرج منها. يبدو أن أكثر مكان آمن هو على الكرسي الذي بجانب الموت!!.

 يمضي ليلة نزوحه الأولى في ظلام تام، يبحث عن ورقة وقلم لعله يوثق ما حصل ويفرغ جام غضبه وحنقه في تلك السطور، لا يوجد من يبث له شكواه هنا فكل من معه يحملون هموم أكبر من همه، والداه اللذان يفكران بمصير هذا البيت الذي بنياه من تعبهما حتى أكلت حجارته من عظامهما، وأخوته المحتارون بمصير أطفالهم فهم بدون عمل والآن بدون مأوى، وأخته التي لا ينقصها حزن فمازال أثر الدموع باد على وجهها. المنطقة كلها تغوص في الظلام وصمت، لا شيء يفعله بعد أن سرح في فكره مع الأوراق، يحاول أن يغفو قليلاً على الأرض فهو لا يملك بهذه اللحظة سوى وسادة. لم يستطع أن يغف وهو يفكر فيما ستؤول إليه الأمور، وكأن جسده يرفض أن يرقد على هذه الأرض. صورة تتوسط ساحة المدرسة لذلك الذي هو سبب كل البلاء، كيف له أن يرقد على مقربة من قاتله. كم تمنى أن يمزقها انتقاماً لجرحه، ولكن يجب أن يتعلم  كيف يمسك على جرحه دون أن يصرخ ولا بحرف واحد. يخشى هنا حتى الحجارة والأوراق فلا يقدر على أن يبوح لها بشيء فهو لا يعرف انتماءها وميولها، كل شيء غريب هنا حتى النجوم. صوت صراخ يعلو في الطابق الثاني في آخر الليل، يهرع الجميع للأعلى، تتثاقل خطواته فلا يغادر مكانه، لم تعد تحركه الفواجع اليوم. أنه ابن أخيه يصرخ لتوهمه بوجود أشخاص في الدور الثاني وأنهم مسلحين، هو يعرف جيداً أن هذه رُهابُ الرحيل، ولكن عليه إقناع الآخرين بذلك فقد احتجوا بهذا الموقف لكي يعودا للمنزل الذي يبدو أنه ثقل عليهم مغادرته. حيرٌ في أمره وأمرهم، لِماذا خرجتم إن كنتم ستعودون؟ ما يعيدكم إلى بؤر الموت؟ دخل في شد وجذب بين عدم رغبة أمه في البقاء وخوف أخته من العودة، طال حتى شروق الشمس. لن تكون هذه المرة الأخيرة التي يصبح فيها وسيط بين الخوف والقلق، بين الرعب والأمل. أتعب النقاش الجميع فناموا، لم يجد مكان له فنام على كرسيه بضع ساعات.

بعد انتهاء جدل الليل، والذي دافع فيه بشدة ليقنعهم بعدم العودة، قرر أن يعود هو بمفرده للمنزل، ما كانوا ليسمحوا له بالذهاب وحيداً ولكنه غادر بحجة أنه ذاهب للعمل لبعض الوقت. عاد كمن لديه موعد مع حبيبته، عاد مشياً مسرعاً يحاول أن يسبق القذائف إلى هناك. وصل منهكاً، دخل المنزل كاللص متسللاً،كأنه يريد أن يفاجئ أحداً بقدومه، جلس يتأمل الجدران والزوايا، ودّعها بشكل يليق بها، لم يشأ مغادرتها بتلك الطريقة التي غادرها بها بالأمس، أعاد ترتيب أفكاره ومشاعره، حاول أن يقنع نفسه بأنه خروج لعدة أيام فقط، تحدث مع نفسه وكأنه يعتذر من أحدهم، نعم كان يعتذر من المنزل لأنه توهم أنه لن يغادره، ولكن غادره وبسرعة أكبر مما تخيل. الآن وقد وعد أحلامه بالعودة وقطع على ذلك عهداً، أصبح بإمكانه أن يذهب ليقارع شقائه ويتأقلم مع بؤسه المُحدث. عليه من اليوم أن يدخل في عزلة في بقية الليالي السود التي ستستمر أربعة أيام أخرى، وبقطع كل أشكال الاتصالات كان لا يجد ما يصنع سوى توثيق همومه، ومساعدة أمه على تجاوز أزمة الغربة في الوطن. عليه أن يألف نموذج الحياة الجديدة التي لا يوجد فيها شيء مما مضى، بل فيها كل ما كان سابقاً يثير غضبه والآن يقوده إلى الإحباط، إنه في أيامه هذه يبحر عكس أمواج اليأس التي تهاجمه. فقد سكونه وعزلته وطمأنينته وليستبدلها جميعاً بقلق وتوتر وفوضى، ليس من السهل أن تتشارك الحياة بكل حدودها مع الآخرين وفجأة دون سابق إنذار أو تمهيد. كان يقضي وقته في البحث عن مكان منعزل ولحظة تأمل لكي يقلل من هذه الفوضى التي تحيط به وتحاول أن تفترسه، يحاول أن يعيد ترتيب أفكاره ليحافظ على نفسه دون تأثر، لم يكن لديه طريق سوى أن يعيش حياته كالحلم المزعج ويجمد مشاعره، ويمنن النفس بأن هذا الكابوس سينتهي عما قريب.

تأقلم الجميع بسرعة أكثر مما تخيله، وتحسنت الظروف مع عودة الكهربا فقد بات بإمكانه أن يشرب كأس ماء بارد عند الإفطار!! أوجد لنفسه منعزل عن الباقي في الطابق العلوي فجهز طاولة وكرسياً وراح يشغل كل وقته بالقراءة لعله لا يضيع أيام عمره المسارعة للمجهول، أعاد أقلمت نفسه واستحل لنفسه غرفة المدرسين، ليعيد ترتيب المكان بشكل يتناسب معه، فكر بأن له الحق بتغيير طبيعة المدرسة بشكل يناسبه طالما أنه لا يوجد من يعترض حقيقة على ذلك، فكلٌ يستفيد من مكان وجوده بالطريقة التي تناسبه، الجيش الحر حول المدارس ثكنات له في كل منطقة يدخلها فحول الأقبية مستودعات للذخائر والصفوف مهاجع أما الساحات المدارس فقد استخدمت لمواجهة الطائرات، والجيش النظامي حول المدارس المتواجدة في مناطق سيطرة الجيش الحر  لأهداف لقنابله وطائراته، فكانت من نتائج ذلك أن دمر جميع المدارس في تلك المناطق سواء أكان يحتلها الحر أم يسكنها نازحون، فقبل نزوحه بيومين قصفت طائرة حربية إحدى المدارس القريبة لبيته أدت لمقتل عائلتين تسكنان في تلك المدرسة. الشكل الآخر الذي تأقلم عليه الآخرون ولكنه لم يألفه بسرعة، النوم على صوت القصف الشديد فقد اشتد في ليلته الأولى بعد عودة الكهرباء القصف ولكنه لاحظ أن الجميع كانوا نياماً لا يرعون انتباه لتلك القذائف المتساقطة على منطقة لا تبعد عنهم كثيراً، يبدو أنهم من شدة ألمهم ما عاد يخفيهم صوت مدفعية أو هدير طائرة يكفيهم أن يدركوا أن احتمال سقوط القذائف في هذا المكان قليل جداً. لكنه لم يألف ذلك بسرعة فيكفيه برودة الأعصاب التي يبديها في النهار فيحق له أن يبدي خوفه في الليل عند نوم الجميع، مرت عليه عدة ليال اشتد فيها القصف بشدة لم يستطع خلالها النوم جيداً فكان يذهب إلى عمله لينام بعض الوقت هناك على كرسيه.

يودعون بعضهم بالعناق، يتمنون لبعضهم عيد آمن خالي من أصوات القصف والرصاص، فلا أحد يأمن أن يلقى أصدقائه بعد عطلة ” العيد” فهذا آخر يوم عمل في رمضان، تغيب عن وجوه الجميع تلك الفرحة التي كانت تعلو الوجوه في مثل هذه المناسبات، من يجرؤ أن يتمنى لصديقه عيد ملئه السعادة وهو يعرف أن غالبيتهم نازحين عن بيوتهم، عليه أن يتمنى لهم عودة قريبة فقط هذه أجمل الأمنيات للجميع. يعود باكراً إلى المدرسة ليرى أن الجميع غادر فيما عدا أخته وأمه، يبدو أن الخلافات التي كانت تدور في الخفاء بين المتواجدين آتت أكلها ففضلوا الرحيل، أو أنهم فضلوا أن يقضوا العيد في المنزل لعله يحمل شيء من البهجة المفقودة في المدرسة. يصعب على الكثيرين تفهم انقلاب أوضاعهم ويتأففون من حاضرهم وكأنه من صنع شخص محدد يحاولون أن يلقوا عليه اللوم ويبرؤون أنفسهم من الهم. بات اليوم أكثر استقراراً فقد عزز أنانيته باستقلالية أكبر هنا وحمل هذا اليوم أيضاً عودة الاتصالات المقطوعة فيكون على تواصل مع العالم وأخبار الحرب، لكنه صدم بخبر لم يتوقع حدوثه في أي بلد من العالم، أن يقوم الطيران الحربي بقصف فرن خبز يسيطر عليه الجيش الحر، رغم أن جميع الواقفين أمام الفرن من المدنيين لم يمنع ذلك حقد الطيار من أن يقصف الفرن ليودي بالعشرات بين قتلى وجرحى، ليتكرر الأمر خلال اليومين التاليين على عدة أفران حتى بات الوقوف أمام الفرن من المهام الصعبة في تلك المناطق، هذا أول استهداف للقمة الشعب، فأن تحرم الناس من الخبز وتقتلهم على الأفران ليس لذنب سوى أن هذا الفرن يوجد في منطقة خارج سيطرتك يعبر عن سفاهة وحقد لم يعرفه الناس من قبل. تكرار الحادثة في عدة مناطق أسقط إمكانية أن يكون القصف خطأ أو جريمة فردية كما كان يحلو للبعض تفسير هذه الانتهاكات الحاقدة للإنسانية ليبقوا الغشاوة التي أعينهم، فقد فتحت هذه الحوادث أبواب جديدة للحقد المتأجج في المدنية.

لحظات جميلة ومؤثرة جداً، لحظات شد أعصاب وتوتر وأمنيات كثيرة. عيوننا شاخصة ترتقب ذلك الحدث الجميل، شعور نعيشه كل عام وكأننا نجربه لأول مرة. كلهفة المحب لرؤية حبيبته نترقب صوت التكبير الذي يعلن انتهاء الشهر الكريم وقدوم العيد، ولكنه جاء هذا العام خافت حزيناً كأن المآذن تضامنت مع جرح المآذن التي دمرت خلال الشهر فحجبت البهجة التي تصدح مع كلمة ” الله أكبر” فكان إعلان خجول وحزين. أمضى ليلة العيد يقرأ رواية حتى وقت متأخر من الليل يساهر جرحه ووحدته التي فرضت عليه في هذا المكان. لم يكن يشاركه في هذه الليلة سوى الصمت المطبق على كل شيء، فكان سكون مميت يخيم على الجدران والأشجار وأضواء الطريق الخافتة والنجوم، حتى الكلمات التي كان يقرأها بدا له أنها ماتت ولم يشعر فيها أي شيء من الحياة، الشيء الوحيد الذي كان يشعره بوجود أشخاص غيره مستيقظين هو صوت القذائف التي كانت تشق الصمت كل حين ليستدل أن رامي المدفعية مازال مستيقظ !! هذا ما سيكون عليه الحال في هذه المنطقة فلن تحتفل الكنيسة معه ولا أهلها بعيدهم، حقيقة هو أمر لا يعنيهم ولن يكون هناك أي مظهر للبهجة في الشوارع ولن يركض الأطفال يلعبون كما في منطقته. لم يتغير شيء في الصباح، كل الوجوه شاحبة ودموع أمه لا تجف حتى تنهمر من جديد متحسرة على بعدها عن بيتها وتشتت أولادها وتفرقهم، جاء بعض أخوته ليبارك لوالديهم بالعيد، تعامل معهم بحرارة مصطنعة لعله يشعر بشيء من سر العيد، لكن ذلك الجو لم يطل سوى لدقائق عندما اتصلت زوجة أحد أخوته لتخبرهم بأن القصف عاد للمنطقة وعليهم الإسراع بالعودة قبل قطع الطرقات. يبلغ التوتر أشده عندما سيغادر أحدهم في هذه الأيام، عليك أن تودعه وتدعو له أن يصل بالسلامة وكأنه مسافر لبلد آخر وأن تنتظر بحرقة أعصاب حتى يصل مبتاغه ويتصل بك ليخبرك بوصوله، مرت تلك الدقائق القليلة مشدودة جداً فقد كان الجو هادئاً عند مغادرتهم، ليتصلوا بعد فترة ليست بالطويلة بأنهم قد وصلوا بخير وأن القصف على منطقة أخرى، يتكرر المشهد نفسه عند الغروب ولكن بقسوة أكبر، فلم يعد مأموناً أن تغادر المنزل بسهولة فإن لم يكن هناك قصف مدفعي أو بالطيران فهنالك نموذج جديد للموت ابتدعوه لنا في هذه المدنية، إنه القناص الذي يهوى قتل كل كبير وصغير، بل إنهم يستخدموه لفرض حظر تجول غير معلن فبعد الساعة 5 عصراً يقتل القناص كل من يتحرك في المنطقة التي يشرف عليها، بعد مقتل عدة أشخاص حفظ الناس الموعد فلا يمشون من طريق الموت ذاك الذي يؤدي إلى حارته. إن أسوأ اللحظات هي عندما يغادرك أخوك و أبنه الصغير وبعد دقائق من خروجه تسمع أصوات رصاص قريب، ستشل أعصاب الجميع فالاتصالات الخليوية مقطوعة وعليهم الانتظار حتى يصل إلى البيت ليطمئنهم، كل الشياطين ستحضر في تلك اللحظة لتوسوس لك، هل يا ترى كانت هذه الطلقات موجهة إليه؟ أليس ذلك الصوت الغريب قليلاً هو صوت طلقة القناص؟ ماذا لو أصيب كيف لنا أن نعرف؟ لا لا هو بخير، استعذ بالله من الشيطان، بعد قليل سيتصل فقط اصبر قليلاً. ستمر كل ثانية بعمر جيل ولن تمضي الدقيقة حتى تنظر إلى الساعة عشرات المرات، لا داعي لأن تخفي توترك فالجميع قلقون أكثر منك، بل قد يكون توترك قد جاء من شدة التوتر الذي أشاعه والده بحركاته وأسئلته المخيفة. قضى يوم العيد بتوتر شديد لم يكن يجد ملجأ للهروب سوى أن يسافر بأفكاره بعيداً جداً ليرسم تخيلات جميلة كان يتمناها في هذا اليوم، راح يحلم بمدينته أجمل مما كانت وأن أصوات الأطفال المشاغبين هي ما تملئ الجو ضجيجاً لا أصوات المدافع، راح يفكر بحبيبته البعيدة التي حرم من كلماتها في هذا اليوم بسبب قطع كل الاتصالات، يحق له أن يحلم كما يشاء طالما أنه غير مسموح له أن يعيش، فكما قال أحدهم ” لا يوجد سجن لا يمكن الهروب منه بالأفكار” وهو يقفز فوق جدران سجنه بأفكاره ليصل بها لأرض بعيدة قد لا يطؤها إلا بأفكاره، ولحظات قد لا يعيشها إلا في خياله ولكنها الآن سلاحه الأقوى لمواجهة الجنون الذي يحيط به.

كانت أيامه كالذي يمشي في حقل ألغام لا يكاد يخرج من مأزق ليقع في آخر، فبعد أن انتهى العيد طرحت أمه السؤال الأصعب، إلى متى سنبقى هنا؟ أقترب موعد فتح المدارس وهذه المنطقة لا تعاني من أي توتر تقريباً لذا يستوجب عليهم الخروج بأقرب وقت، لم يكن هذا هاجسهم وحدهم فعشرات المدارس الموجودة في المناطق التي لم يكن يدور فيها معارك مكتظة بالنازحين، فهل من الممكن أن يصدق تلك الشائعات أنه سيتم إخلاء جميع المدارس لفتح أبوابها للطلبة؟ وما هو مصير هذه الألوف التائهة؟ كانت حالة غليان تجري في تلك المدارس تزيد من الوضع سوءاً فقد تحاول السلطات أن تظهر المدنية بحالة جيدة من خلال رسم صورة إعلامية عن عودة الطلاب لمدارسهم. تريد أمه العودة للمنزل بداعي أنه لا يوجد قصف على تلك المنطقة وإن باقي أخوته هناك وهي ليست أغلى منهم، أخته ترغب في الانتقال لبيت آخر في منطقة أكثر أمناً، أما هو فلا يرغب بشيء سوى أن يحل هذا الخلاف و أن يقنع الطرفين بحل ما، هذه المنطقة لا يهدأ فيها صوت القصف، ولكن الحال ليس أفضل في منطقة بيته، وإذا أرادوا الرحيل فإلى أين، إن معنى منطقة آمنة في هذه المدينة يعني أنها مكان لاتصل إليه القذائف ولا صواريخ الطائرات ولا تحدث فيه اشتباكات يومية وهذه المواصفات لم تعد تنطبق إلا ببضعة أحياء فقط، حتى المنطقة التي هم فيها لا ينطبق عليها كل هذه المواصفات فكثرة الحواجز التي تطوقها تجعلها هدفاً للطرف الآخر. يوجد حاجز على كل مفرق يوصل لهذه المنطقة !! أما المناطق التي ينطبق عليها هذه المواصفات قد أصبح أجار البيوت فيها مرتفع لدرجة لا يقدرون هم على دفع مثل تلك التكاليف فأصحاب العقارات باتوا يستغلون حاجات الناس لمكان آمن فتضاعفت تكاليف السكن عدة أضعاف. تجار الحروب هم الأكثر دناءة والأسرع ربحاً وهذه المدنية كشفت عن وجود المئات منهم فيها. طال النقاش وكثر الكلام، إنه أول مرة ينهار فيها تماماً جلس في صفه وحيداً يبكي فلم يعد بيده ما يصنعه وكأنه أعلن استسلامه من كل شيء، لم يجد خير من البكاء في هذه اللحظات فقد أصبح صدره ضيق حرجاً لا يقوى على التنفس، بكى وأكثر من البكاء لعل الدموع تأخذ معها بعض من ضيقه وهمه. يحاول بعد بكاءه أن يعيد التفكير في الأمر كله لعله يصل لنتيجة ما، لكن دون جدوى فلا هو يستطيع أن يرضي أمه ولا يعرف كيف يجد منزل بديل مناسب لهم.

ازدادت الأمور سوءاً بعد عدة أيام عندما خرجت مسيرة مؤيدة لقوات النظام في المنطقة ابتهاجاً بمقتل عدة شبان من الجيش الحر حيث جيء بجثثهم لتقام الاحتفالات عليها ويسحبوا بالشوارع ويبدأ إطلاق رصاص احتفالي لمدة 4 ساعات متتالية، زادت الحادثة من توتر الجميع، وخاصة أمه التي قالت علانية أنها لم تعد تحتمل العيش في منطقة يشتم فيها هؤلاء الشبان الطيبون ونضطر للسكوت وعدم الرد دفاعاً عن رأينا، عبرت أمه تماماً عما يجول في خاطره من قهر غضب.فلو حرروا الجولان لما أطلقوا الرصاص لمدة أربع ساعات متواصلة وما سحبوا جثث هؤلاء الشباب في الطرقات، ليمروا فيها على مناطق يعتبر أهلها مناصرين للطرف الآخر. لكن هذه الحادثة لم تثر غضبه وحده فقط ففي اليوم التالي عرف من أصدقائه أن حالة غضب كبيرة غشَت الناس بعد سماعهم هذه الحادثة فهي ليست الأولى من نوعها ولكنها الأكبر حجماً فقد حصل أن سحبوا جثة شاب من الجيش الحر بفترة سابقة في منطقة أخرى بعد قتله في الاشتباكات. لكن الرد لم يتأخر كثيراً على هذه الحادثة. ففي مساء اليوم التالي وبينما كانوا يتناولون العشاء في فناء المدرسة فإذا بصوت غريب يتلوه بعد برهة صوت انفجار قريب تكرر الصوت ثلاث مرات متتالية، مما اضطرهم للدخول إلى الصف خشيت وقوع إحدى هذه القذائف على المدرسة. تتالت القذائف حتى وصل عددها لثمانية قذائف، كان عليه أن يوجد مكان في قبو المدرسة ليس له نوافذ أو أي منفذ يختبئوا فيه في حال استمر هذا القصف، فهو لجوء ضمن لجوء، بالأمس كان يختبئ من قذائف جيش النظام واليوم من قذائف الجيش الحر، هي قذائف لا تميز فكراً ولا عقلاً إنما تنزل حيث تنتهي كتلتها الدافعة، فكثيراً ما قتلت قذائف النظام مؤيده وبل جعلتهم ينقلبون ضده بعد أن هدمت بيوتهم وقتلت أقاربهم، فليس من المستغرب أن تقتل قذائف الجيش الحر بعض المدنين، لكن باليوم التالي تبين أن هذه لم تكن قذائف بل صواريخ محلية الصنع استخدمت لضرب مركز أمني بتلك المنطقة ولكنها لم تصب أحد بأذى فقد سقطت في أمكان فارغة من الناس ولكنها حملت تهديد صريح لكل من في المنطقة بأنهم لن ينعموا بالهدوء طالما أنهم أعلنوا مشاركتهم بالقتل باحتفالهم ذاك. تكرر القصف خلال الأيام التالية، كان يجلس على شرفة المدرسة ليتابع وميض المدافع وأصوات الرصاص والقذائف من كل مكان، أصبحت الحرب ممتعة بالنسبة له بقدر ما هي خطرة. قرروا بعد هذا التطور الانتقال للعيش في منطقة فقيرة هادئة في بيت استطاع أحد الأخوة أن يجده في بناء قيد الإنشاء، لم تعجب أمه مواصفات هذا البيت لعلوه وسوء تجهيزه ولكن لم تجد بدّ بعد أن غادر بقيت أولادها المنزل لمناطق أخرى بسبب تعرض الحي للقصف مرات عدة، كان هو الحل المناسب لأخته، أما هو فكان فكره مشغول بقصة رحيل أخرى سيعانيها من جديد ودون تحديد موعد واضح لها، و استمرار قطع الاتصالات زاد من عزلته و همه، لكنه وجد في الكتاب ملاذ من ضجره ووحدته فراح يقرأ طيلة النهار تاركاً تدبير أمور الانتقال لهم فهم على كل حال سيفعلون ما يحلو لهم دون الأخذ برأيه في هذا الأمر، خوفهم هو ما يسيرهم وليس تفكيرهم، لكن أي تفكير ممكن أن يتدخل في هذا الموقف بعد أن طلب منهم بشكل شبه رسمي إخلاء المدرسة ليبدأ الدوام الإداري فيها، وسقوط صواريخ عدة قريبة من مكان تواجدهم.

في صباح يوم متعب وكسول من أول أيام أيلول طلبت منه أمه الذهاب مع أخيه إلى المنزل ليقوم هناك بنقل بعض الأثاث إلى المنزل الجديد، لم يعترض بأي حرف أو يجادل بل خرج دون فطوره ولم يعد إلى المدرسة…

Tagged: , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: