أربعينية الرحيل – الواهم

حقيبة على ظهره وأخرى يجرها خلفه وبيده الأخرى بطاقة سفر، محطة قطار جديدة، أو موقف حافلات، مدينة جديدة لا يعرفها. هو الذي اعتاد السكون و الحياة الهادئة في مؤله الذي ما غادره إلا في رحلات قصيرة لمدن أخرى. ولكنه من يوم خروجه من منزله حذر الموت تغيرت الأمور، ما عاد له مكان يستقر فيه ولا وسادة تسمع نجواه و شكواه، لم يعد هناك ركن يعود إليه في حزنه ولا متسع يلهو فيه عند فرحه. تشابهت كل الأماكن بغربتها، ليست هذه الجدران يعرفها ولا حتى هذا الهواء، لقد أنكر كل شيء في حياته بعد ذلك اليوم.

هو يذكر جيداً ذلك الشهر الكريم وذلك اليوم الذي بدأت الحياة تنقلب فيه على أعقابها، استيقظ على صوت غريب لم يعتده، تثاقل إلى فراشه وظن نفسه يحلم ولكنه حلم سيستمر طويلاً، يثقل الحلم حتى لا تعود الوسادة تحمله فتدفعه عنها للواقع. لم يكن الوحيد الذي أزعجه ذلك الصوت الغريب فقد سمع حركة في أرجاء المنزل وهو يصر أن هذا حلم ولا يرغب أن يستيقظ منه. رويداً يتضح الصوت قليلاً، لكن مستحيل هذا غير ممكن، تحدثه نفسه، هذا صوت طائرة مروحية، نعم هو كذلك ولكن ما هذا الصوت الغريب المرافق لهديرها، أيعقل أن يكون صوت رشاش أم هنالك تداخل في الأصوات بين الحلم والصحو؟. قام من فراشه لعل ذلك الصوت يختفي، لكنه زاد. وجد أبوه عند باب الغرفة

– ما يحصل ؟ ما هذا الصوت؟

– لا أعلم استيقظت على هذا الهدير الغريب

– إنها مروحية ولكن ما هذا الصوت المرافق ؟…أهو قصف؟

– لا أعلم ولكن ممكن.

هلع لسطح المنزل لعله يعلم ما يحدث في سماء هذه المدينة الكسلى التي عودتها سنين الترف المقنع أن تنام مطولاً كي لا تصحو على ألامها المختبئة في زوايا البهجة وتحت أقنعة الألحان العذبة وفي صمت حجارتها البياض، فوق تلك البيوت التي تراكمت فوق بعضها كمذكرات عاشق تركه الحب، حام الموت بصوت مرتفع. إلى جانبه وقف أخوه الذي لحقه ليشاهد ما لم يتوقعه أحد، طائرة مروحية تقصف الحي المجاور لحيهم برشاشها.لم تصدق عيناه ما ترى وتمنى لو أنها كتلك الأحلام التي اعتاد رؤيتها في صغره، طائرات حربية تقصف المنطقة، أحلام أقلقته في صغره يراها الآن ملء العين.

مر ذلك اليوم ثقيلاً في كل اعتباراته وحساباته، في الشوارع لم يكن هناك مكان للتفكير فقد امتلأت الطرقات بالنازحين الهاربين من الجحيم المنسكب من السماء، لم تسمح له والدته بالذهاب لعمله خشية مما قد يحدث فقد سقط في هذا اليوم كل اعتبار لما يمكن تسميته “مستحيل”، ليدخل في عزلة مطولة ستمتد لأيام طويلة في هذا المكان العزيز على قلبه خشية المجهول لعل الصورة تتضح قليلاً.

مضت عدة أيام حتى هدأ روع الناس، ليس لتوقف القصف بل لاعتيادهم عليه فطالما أننا نرى الطائرة فوقنا فهي تقصف المنطقة المجاورة، حكمة علمها لأخته كي يهدأ من خوفها. لم يكن ذلك اليوم هو الأسوأ بل كان البداية فقط، هي مرحلة كسر حواجز المستحيل والرعب والخوف، في اليوم الرابع من بدأ القصف، دوى انفجار كصوت صاعقة تضرب الأرض مع آذان الفجر كانت المرة الأولى التي يسمع فيها الناس هذا الصوت في مدينتهم، بدأ القصف بالصواريخ من الطائرات المروحية. كانت ليلة من الجحيم ولكنها لن تكون الأخيرة. عاد بعد عدة أيام لعمله لتدور نقاشات حادة حول ما يحصل، هل يحق للدولة أن تقصف مناطق المدنيين بدعوى محاربة عصابات مسلحة دخلت المدنية؟ وهل يحق لقوى المعارضة أن تدخل مناطق المدنية لتحارب الدولة؟. لا فرق في السؤال والإجابة فما حدث قد حدث ويبقى السؤال ما هو القادم وما ينتظر من الغد؟، حاول أن يتعايش مع أصوات القصف بل كان عليه أن يكون مصدر طمأنينة لأمه وأخته اللتان ترتجفان رعباً عند سماع صوت كل قذيفة. كان على عاتقه مهمة صعبة وهي البقاء متماسك الأعصاب ينشر الهدوء حوله على الآخرين، أقنع نفسه بسكينة داخلية بأنه لن يغادر هذا المكان. يبدو أننا لشدة الخوف نتوهم استحالة حدوث ما نخشاه، ونتوهم الطمأنينة بدعوى أنها إلهام لا أوهام ونرسم لها دلائل وقرائن ونبحث عن إثباتات قد لا نجدها فنخترعها،هو رفض أن يتقبل شبح النزوح الذي بات يراه كل يوم، بل بات يتحدث كما الأمير العباسي الذي ظن أن المغول لن يدخلوا بغداد ثم تراجع ليكتفي بقصره. فهو مقتنع لسبب هو لا يعلمه أن القصف لن يطال هذه المنطقة وأنها منقطة غير مهمة للطرفين، بل تحول كالكثير من سكان المدنية إلى محللين عسكريين واستراتجيين يتحدثون كل يوم عن أنواع الأسلحة المستخدمة وفعاليتها وجدوى سيطرة أحد الطرفين على منطقة ما.

لم يمض أكثر من أسبوع حتى تهاوت حدود المستحيل، إنه الطيران الذي كان جميع الأطفال يتسابقون لرؤيته، كان يستيقظ مبكراً مع أخيه في أيام المناسبات الوطنية لرؤية هذه الطائرات التي ما فتئ الأعلام الرسمي يتحدث بأنها ستحمي الوطن من العدو وتدك مدنه. ها هي اليوم ولأول مرة منذ سنين تخرج في مهمة قتالية، لكن ليس باتجاه قوات العدو وحصونه، إنما لترمي حممها على رؤوس المدنين الذين دفعوا ثمنها من لقمة عيشهم وتحملوا لأجلها ضنك المعيشة بحجج الحماية من العدو الذي يتربص بهم، كان شيء لا يصدق طائرة حربية في سماء المدنية تقصف برشاشها وقذائفها مناطق سكنية يسيطر عليها المعارضون، هل يحق لأحد باسم الله أو الوطن أو الشيطان أن يقصف أبناء بلده بالطائرات، من هذا الذي يقود الطائرة؟ أيعقل أن يكون قد شرب من ماء الوطن وأكل من نبته ومشى بين أهله؟ ما هو حجم هذا الحقد الذي يعشش في عقله؟ ماذا قالوا له؟ أيحسب نفسه يحلق فوق تل أبيب؟

أسئلة لا جواب لها عنده فقد تعلم في المدرسة أننا كلنا أبناء وطن واحد ولغة واحدة وأن الدين لله والوطن يسكنه أبنائه بمحبة ووئام. لكن ما علمته إياه هذه الحرب الذي بدأت منذ شهور في مدن أخرى، أن كل ما تعلمه في المدرسة كان كذباً وإن مدرسته التي كان يحبها جداً كانت تكذب، لقد تعلم أن المثل العليا في الحياة تكذب، حتى أبوه كان يكذب فقد كان يحكي له أنه ما من سبب يسمح لأحد أبناء البلد أن يقتل أخاه دون سبب، ولكن ما هذا الذي يحصل هنا، هل هو الخوف الذي دفع كل هؤلاء الكبار بقدرهم وهيبتهم كي يكذبون خوفاً مما قد رأوه من قبل أو ما يعرفون أنه ينتظر من يرفض نعمة الملك، فالملوك يمنون على رعيتهم بكل شيء حتى لو قبلت الخنوع التام يمنون عليهم أنهم أحياء فقد صار الأمر لهم بذل رعيتهم وخنوعهم لحد أن ظنوا بإمكانهم أن يحرمون الحياة لهؤلاء المساكين الذين لا يعرفون كيف يعيشون دون عطايا الملك، وأنه لو رفض أحدهم هذه العطايا فقد كفر بالنعمة ويستحق العقاب من الملك ولعنة جميع الرعية الذليلة. بتحليقها في السماء أسقطت مع قنابلها جميع أقنعة الأخوة والوطنية والمواطنة وغيرها من الترهات التي عض الناس على جراحهم للحفاظ عليها. إنه لا يقصف المدينة بل يقصف المدنية ولا يدمر البيوت بل  يدمر القشور التي غطت جمر القهر والاستبداد، وهو لا يقتل الناس بل يقتل الخوف الذي ران على قلوبهم لعقود.

في كل يوم تضيق دائرة قصره، فالطائرة لم تعد وحدها التي تقصف بل المدفعية التي لا تميز هدفها بدقة كما الطائرة، والأحرار لم يجلسوا في مناطقهم بل يزحفون لمناطق جديدة، لكن ألهاماته وتوهمه تنبؤه بأن الحرب ستنتهي خلال أيام ربما بمعجزة أو شيء ما لا يعلمه ولكنه يعتقد به، وإنه لن يغادر غرفته هذه لأي مكان، لن يذهب للقرى أو يجلس في المدارس، لن يعتاد النوم في مكان غير سريره. لم يكن مكان عمله بعيداً ولكنه أصبح خطراً بعد ذلك اليوم الذي ذهب فيه سيراً لعدم توفر المواصلات في المدنية فإذا به يرى نفسه وسط اشتباك، كان صوت الرصاص يزداد قرباً بكل خطوة يخطوها حتى طلب منه أحدهم في الطريق أن يعود من حيث أتى لأن الخطر كبير فلم يكمل طريقه، ولكن الاشتباك بات حيث أتى فقد وجد الطريق التي كان فيها منذ دقائق خاوية من الناس يركض فيها جنود مسلحون يطلقون النار وكان هو المدني الوحيد الذي يمشي في هذا الطرف من الشارع، تابع سيره بهدوء وبثقة غريبة بأن الموت لن يكون الآن في هذا المكان، دقات قلبه تتسارع مع كل رصاصة ولكن شيء ما يصرخ داخله لا تخف، هدأ من روعه تلاوته ولم يغير من مشيته، خاف لو غير اتجاهه أن يشك به أحد الجنود فيقتله أو يعتقله، كان عليه أن يضغط على خوفه ويتابع هذه الأمتار القليلة بصبر وتوكل.

بعد 17 يوم من بدأ الحرب تطورت الأمور بسرعة لتبدأ أيام سماها فيما بعد ” الليالي السود” حين عاشت المدينة ظلاماً تاماً لمدة 10 أيام متواصلة كان الضوء الوحيد فيها ليلاً هو ضوء القمر ورشاش الطائرة ووميض المدافع، كانت أيام قاسية في حر الصيف وظمأ الصوم. اعتادت أذناه صوت كل القذائف وجميع أنواع الذخائر بل أصبح خبيراً بها، لم يعد يرتجف قلبه عندما يسمع صوت هدير انقضاض الطائرة على أهدافها، ولا يهتز طرفه عند اهتزاز المنزل عند سقوط قذيفة مدفعية، ولكن لم يكن هذا حال من حوله فلم يعد يحتملوا دوي القذائف وهدير الطائرات وقسوة الظلمة والجلوس بانتظار قذيفة تخطئ سبيلها إليهم. منذ عدة أيام وهو لا يستطيع النوم ليلاً من شدة القصف، في هذه الليلة الرابعة من الليالي السود يتقلب على سريره، يحاول أن يغفوا رغماً عن أنف الطيار، و كأنه يعلم أنها ستكون ليلته الأخيرة على هذا السرير، فقد رفض أن يغادره وترك أفكاره وأحلامه تنساب على وسادته. تطور الحال لأن ينام أول ليلة في الطابق السفلي من المبنى، وفي صباح اليوم التالي كان بداية كل النهايات، نشوة السكينة تسيطر عليه غير مهتم بالطائرة التي تحوم فوق المنزل، تنقض الطائرة من فوق المنزل تماماً صوتها يصم الآذان، قلبه يخفق بقوة وهو يبتسم، تصرخ أخته من الخوف، يسارع أخوه بعد صوت الانفجار ليرى ما كان هذا الهدف القريب، أمه تطلب منهما عدم الخروج، دخان أسود ويتلوه دخان أبيض يتعالى في السماء، المكان يعرفه جيداً، كان أول استهداف لذاكرته، لقد ألقت الطائرة قذائفها على مدرسته الابتدائية التي اتخذها المعارضون مبيت لهم، يبدو أن ساعة الصفر لمغادرة المنزل قد اقتربت. أعاد حساباته سريعاً، جهز أوراقه الهامة كما نصحت الكثير من صفحات الأخبار ذلك أن النزوح ليس مشوار تحضر له قبل عدة أيام إنما هو هروب من موت مستعجل، لن يكون لديك من الوقت ما يكفي لتفكر كل شيء سيتم بدافع غريزة الحياة فقط. ما يملك هو من شيء هام ليأخذه معه، ما من شيء سوى تلك الورقة الصغيرة التي تسمى ” شهادة جامعية” نذر عمراً للحصول عليها، هي الآن أهم ما يملك وبطاقته الشخصية وجواز السفر وحاسوبه الشخصي، ستكون هذه عدته في جميع الأماكن التي سيحل فيها فيما بعد. يرن الهاتف، يدوي انفجار، يهتز البيت، يكلم صديقه الذي فرقته عنه الحرب ويخبره بأنهم صامدون وأن قذيفة بالأمس سقطت قرب منزل صديقه وأن أكثر من أربعة أشخاص قتلوا، ويسأله صديقه إلى متى ستبقون هنا أليس الخطر مرتفع هنا، يدوي انفجار أقوى من كل ما سبقه ويرتج قلبه مع ارتجاج جدران الغرفة، يسمي بالله ويطلب الرحمة، ويكمل هاتفه مودعاً صديقه. اضطرب المنزل بأكمله ونظرات مضطربة في عيون الجميع، سقطت القذيفة على بناء لا يبعد سوى عدة أمتار من المنزل، يأتي أحد الأخوة من الخارج مفزوعاً ثلاث جثث على الطريق ارتمت من الطابق الرابع حيث أصابت القذيفة، يكبر الخبر بسرعة وتكثر الاتصالات، دمر البناء، لا دمر مسكن واحد فيه، كم هو عدد الضحايا؟ توقف عقله عن العمل، تجمدت مشاعره فلم يعد يستطيع الشعور بشيء، تبكي أخته من  شدة الخوف، أبوه يجلس حائراً، إلى أين يذهبون؟ هم كثرة ولن يستقبلهم أحد، لا مكان لديهم يذهبون إليه في هذه السرعة، قرروا الرحيل. هي لحظة الحقيقة التي رفضها، يتأكد من بضع أوراقه، يجمع القليل من ملابسه، ولكن لم يجب أحد بعد على السؤال إلى أين؟ لن يفكر هو بالحل، هناك من يبحث عنه الآن، تكثر رنات الهاتف والجوال، من على الخط، قريب قد سمع الخبر بهذه السرعة، أخته الكبرى تتصل، دموعها تسبق كلامها، أين أنتم ذاهبون؟ ما هو العنوان؟ لا تقلقين، يجيب ببرود شديد، ينهي المكالمة بسرعة فهذا ليس وقت المشاعر. قرروا أن يذهبوا إلى مدرسة في منطقة آمنة، مازال سكانها يقدمون فروض الطاعة، يجب عليك لكي تهرب من الموت أن تستجير بمنزل القاتل، يرن الهاتف مرة أخرى، يا الله من هذا؟ أخوه من ألمانيا، كيف عرف هذا بما حصل، أهي الأقدار تأتي بأن يتصل مصادفة في لحظة الرحيل. يسأله عن أحوالهم وعن أمر يريده، يجيب، ثم يكمل

– لا تتصل بعد اليوم على هذا الرقم، إننا راحلون

– إلى أين؟ ما ذا حصل؟

يسأل الأخ مفزوعاً

– لا تقلق، سنذهب لمدرسة الآباء، تعرفها!

– أعطني أمي، أريد التحدث معها

يتكلم الأخ مع دموع أمه، يأتي الأب ليعطي الابن مهاجر نصيحة

– تذكر لما سافرت، لا تعد مهما سمعت عنا، لنا الله ولك الله

كانت مشاعره جامدة قبل هذه الكلمة، لكن الآن غامره شعور بالبكاء، لكن من غير المسموح له بذلك، أمه يجب أن تراه قوياً. يودع أخاه ويخبره أنه سيتصل به عند وصولهم إلى ملجأهم. يساعد أهله في ترتيب بعض الأمور، القليل من الطعام، فرش للنوم، والقليل من الماء. يجف حلقه وهو صائم من كثرة حركته وقلقه. من فضل الله توجد سيارة شحن لديهم لنقل هذه المتاع، وهؤلاء الأشخاص. يتحرك دون أن يفكر ودون أن يشعر، يودع غرفته وسريره ووسادته، ويخرج….!

Tagged: , , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: