بيضة

يخطئ من يظن أن الفراخ تخرج من البيضة بسبب ضعف في القشرة، إنما تخرج عندما تملك من القدرة ما يكفي لتحطيم جدران سجنها الصغير والخروج إلى الحياة. وكذلك الأمر لذواتنا فإن لم نملك ما يكفي من قوة وإرادة فستبقى قابعة في غيابات قوقعة صغيرة تضيق بها نفوسنا على تحمل ضغط بعضها على بعض، فنكون مضطرين للتكور على أنفسنا فلا مكان ضمن هذه القوقعة يتسع كليتنا بما تحويه من أفكار ومشاعر.  فتبقى أرواحنا تعيش حالة جنينية طويلة الأمد، لا يأتيها المخاض فتولد كائناً مختلفاً، كائناً كما يريد هو لا كما فرض عليه الآخرون. ليس الخروج من قوقعتنا أمر سهل بل عسير جداً ولكن للأسف لا توجد عمليات قيصرية يتدخل فيها الآخرون لمساعدتنا على الخروج إلا ما قد ندر، وحتى تدخلهم لا يتعدى من إشارة قد تدلك على خطورة وضعك أو تبين لك ما يوجد خارج جدران قبرك الصغير.

تختلف أعمار أرواحنا عن أعمار أجسادنا، فهما مختلفان في طبيعة النمو. ففي حين لا تتوقف أجسادنا عن الكبر منتقلة من مرحلة لأخرى، فقد تبقى أرواحنا في ذات العمر سنين طويلة ترفض التسليم بالنضج والكبر أو ترفض فكرة ضياع الشباب وحلول الهرم مكانه. في حين أنها قد تشيخ بسرعة فنراها قد بلغت سنين الكهولة ويكون الجسد لم يتجاوز سنين شبابه الأولى. ذلك أن لكل منهما قانون ينمو بناء عليه فبينما تتبع الأجساد قوانين الطبيعة ودورة الشمس والقمر. تتبع ذواتنا دورة الدهر ونوائبه، فكلما كثرت المحن وزادت الخطوب وأثقلت الحياة كاهلنا بالتجارب منذ صغرنا، ازدادت أعمار ذواتنا. في حين يكون دور الظروف الاجتماعية شبه معدوم في التأثير في أعمار أجسادنا، يكون لها أكبر الأثر في عمر نفوسنا، فمنذ نعومة أظفارنا يلعب الأهل الدور الأكبر في رسم ملامح شخصيتنا من خلال الظروف التي يحيطونا بها فإما أن يصنعوا منا ألواح زجاج مصقول لا تأخذ شيء مما يصلها ولا تضيف شيء، أو أن يسمحوا، بقصد أو بدون قصد، للحياة أن تترك أثرها في شخصية أبنائهم راسمة ملامح يمكن للآخرين تمييزها. لكن قد تصل هذه الضغوط حداً تمحي بها شخصيتهم ليكونوا أشخاص خانعين مستسلمين لما يلحق بهم من جيف وظلم من قبل المستبدين. يعمل الأهل على ذلك من خلال المنح والحرمان، ففي الحالة الأولى يقدم الأهل للأبناء كل ما يطلبونه، فلا يكلفون الطفل عناء أكثر من الطلب ليحضر ما يريد. تنتج هذه الحالات بالأغلب من رغبة الأهل في عدم تعريض أولادهم لشيء مما قد يكونوا عانوه في صغرهم منتقمين بظنهم من الحرمان الذي خبروه، أو رغبة منهم أحياناً بالتباهي بالبذخ الذي يقدموه رياء الناس، وهنا ينتج إنسان إتكالي فاقد لكل أشكال المبادرة فيما عدا المبادرة بطلب شيء ما يريده من الآخرين، فيسيء الأهل من حيث يظنون أنهم يحسنون صنعاً. يخشى هذا النوع من فقدان ما يملك فيوجه قوته ضد من يحاول أن يسلبه أي من امتيازاته أو يضطره للاعتماد على نفسه أكثر مما اعتاد، فيكون من أكثر أعداء التغير على المستوى الاجتماعي المصغر أو على مستوى المجتمع كاملاً.

وعلى الطرف الآخر تماماً يمارس الأهل أعلى درجات الحرمان على أولادهم بسبب قلة ذات اليد فلا يجدون ما يقدموه لهم، كما يمارسون ضغطاً آخر يضاف للحرمان المادي هو الحرمان النفسي المتمثل بالقمع بحيث يمنع الأولاد من الكلام، ويحفظون دروس الصمت من الصغر خشيت الأهل من ظلم المستبدين وبطشهم فيعلمون الأطفال الخنوع والرضا بكل ما هو موجود دون تأفف أو السؤال عن سبب هذه الحال، وهنا تكون الظروف المفروضة على الأهل هي العامل الأبرز في تنشئة الأولاد فلا توجد خيارات كثيرة أمام الآباء الذين يكونون غير ملومين في خوفهم على أبنائهم. ينمو عن هذا النوع أشخاص ممسوح الملامح مكبوتين والغالب ما يتولد لديهم قوى داخلية كبيرة تضيق بها صدورهم فتتوجه لمواضيع خارجية لتفريغها، فتظهر بشكل ميول إجرامية تتفجر عندما تسنح الظروف بذلك، أو عنف موجه ضد من هم أضعف، أو قوة محركة إيجابية للعمل بحيث يحسن من وضعه فيما لو سمحت الظروف بذلك. يكون الأشخاص في هذه الحالة أشد مقاومة للتغير من أفراد الحالة السابقة، ذلك أن الخوف والرهاب الذي زرع بقوة وأساليب قاسية في النفس يقيدها في قوقعتها فلا تستطيع حراكاً، تهاجمها تلك التخيلات بقوة لتضعف أي عزم قد ينشأ فيها، قد يتجاوز الخوف حدود القنوط بل يتطور لحد ليشن حرب على كل من يحاول أن يجلب التغيير مقتنعاً بأن طاغية يعرفه غير من نبي لا يعرفه.

يبقى أبناء كل حالة بمعزل عن بعض، فيعيش الطرف الأول بدعة ورخاء مفضلين رفاهيتهم ولو كانت مبنية على اضطهاد الآخرين وظلمهم، بل حتى أن أطفالهم يجهلون بوجود هذا الاضطهاد وظنهم أن الجميع يعيشون في بيئة مماثلة لهم أو على الأكثر يورثون أفكار آبائهم بأن الفقراء هم الملومين على حالتهم هذه ولا أحد سواهم مُرجعين ذلك لكسلهم وقلة حظهم مغمضين عيونهم عن الظلم الذي يلحق بهؤلاء من عدة جوانب. أما الفقراء فلا يستطيعون أن يعلّموا أولادهم أن هناك شيء غير القدر هو سبب هذا الواقع المزري الذي يعيشوه فتكون حياة الأغنام أفضل مثالاً لهم تأكل وتشرب مما يحيط بها، مستسلمة لسرقة الحليب من ضرعها وحرمان صغارها منه، مقتنعة بنهايتها المحتومة إلى الذبح.

تبقى قوقعة البؤس محيطة بالطرفين، ما يختلف هو شكل البؤس الذي يعيشه كل منهم. فالغني مغلوب بلذاته لا يملك قوة ليخرج لوضع متوازن في الحياة، يحيط  به ما فرض عليه منذ طفولة من متاع مادي لا يجد مهرب منها فكل ظنه أن لا حياة إلا بهذا الشكل وأنه يملك بهذه التعاسة المادية مفاتيح الحياة. يتخبط بينها في كل جانب لعله يشعر بقيمة لنفسه دون ماله، واحترام لشخصه لا لبذخه. أما الفقير فيحيط به بؤسه وعوزه وخوفه فلا يجد من السعادة سبيل سوى الرضا بواقع مهين فرض عليه، فلا يملك قوة يخرج فيها على غبنه وسرق حقه.

كلا الطرفين فراخ صغيرة لا تبحث في داخلها عن مكامن القوة لتحطم ذلك الجدار الهش في باطنه والصلب في خارجه. فليست العلة في قوة الجدار إنما في التجرؤ على لمسه، فهو كباقي المحرمات التي يحيطنا بها المجتمع يسقط الخوف منها بعد أول تعدي عليها، فهو ليس بالأمر السهل ولكنه ليس بالمستحيل. ما نحتاج له هو بحث في أعماقنا لتنظيفها من مكامن الخوف الدائم من المجهول، الرعب من التغيير، لنخرج بقوة لشكل جديد من الحياة.

يبقى بين الطرفين خط معوج وسطي يميل تارة إلى هنا وأخرى إلى هناك، ويكون أقل غبن من الطبقة الفقيرة وأقل رفاهة من الطبقة الغنية، ولكنه أكثر حركة ورغبة في التغيير ويتقبلها بسرعة أكبر من الطرفين الآخرين. هي الطريق المتوسط الذي يعمل أبناءه بشكل حذر. لهم قوقعتهم الخاصة بهم الأقل كثافة بما يمارسوه ضدها من قوة داخلية وخارجية.

 ما نفقده هو المبادرة التي غرس مكانه الاتكال على الآخرين أو على الأقدار لعلها تأتي بحل سحري يغير وضعنا ونحن جالسون، متحدين بذلك قوانين الطبيعة في التغيير. أن نبادر باتخاذ قرار وتحمل مسؤولية هذه القرار يكون الطريق لتغيير الكثير في حياتنا على مستوى أفراد وعلى مستوى المجتمع ككل، لكن الخوف الذي يحيط بنا دائماً خشية العقاب، الخوف الذي يلاحقنا منذ صغرنا يلعب هو الآخر دور المثبط القوي لعزائمنا فنتراجع عن فكرة أو حل لمشكلة عندما نظن أن فيها ما يستوجب تحمل المسؤولية.

Tagged: , , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: