وردة شائكة

وردة شائكة

في لحظة حب، عندما أكون وحيداً أفكّر بحبيبتي تنتابني قشعريرة من حزن ممزوجة بأمل اللقاء، هذا هو الشوق أجمل ما في الحب كونه المعاناة التي ترسم معالم الحب وتحدد عمقه وقوته، وازدياد شوقك لمن تحب دليل قدر حبّك له. إنّ هذه المعاناة هي سرّ عطاء المحب من الحب للمحبوب.

إن ما يمنح الإنسانية ماهيتها هو الحب، فلو جردنا الإنسان من الحب لكان إما عقلاً مجرد العواطـــف والغرائز ليصبح عقلاً يهتدي بالنور ولا يأتي بغير الحكمة؛ ولكن بدون رحمة أو شفقة أو رغبة، أما إذا عكسنا الصورة أصبح الإنسان آلةً تسّيرها الضرورة وتقودها الغرائز. يأتي الحب ليعبّر عن الامتزاج بين الحالة العقلانية و الغريزية مانحة هذا المخلوق صفته الأساسية “الإنسانية” مزيج معقد يجمعه الحب في كائن واحد ألا وهو الإنسان. هذا التوازن بين الحالتين يمكن أن يقسّم البشر لفئات حسب رجحان أي من الحالتين على الأخرى فيكون هنالك العقلاني والغريزي وما بينهما، من الصعب الوصول إلى حالة التوازن التام إلا في الوقت الذي نجد فيه الشريك الذي يمكن أن تتبلور فيه هذه المحبة كجوهر للحب، في هذه الحالة يتمثل الواحد منّا مخلوقاً جديداً مختلفاً عمّا كان. حتماً إننا قبل الحب مختلفين تماماً عن حالتنا في الحــب فمهما كنّا قريبين من حالة التوازن فلن نمتلك ذلك الشعور الحقيقي بالتوازن إلا بين يدي المحبوب، ولكــــن لماذا نفقد هذا التوازن في غيابه بل نصبح أكثر ميلاً للحالة العاطفية عن العقلية؟ لماذا كل هذا الألم ينتابنا في غيابه؟ أليس هو الشوق راسم معالم الحب ومؤشر قوته أم هو شيء آخر ؟…. لِما دأب شعراء الحب على التغني بحلاوة عذابات الحب وما له في النفس من فعل… فما هو سر هذه المعاناة؟…معاناة تكمن داخل المكون السحري لمزيج الإنسانية …وهل هو مقتصر على حالة الحب فقط أم يتعدها؟!…

إن تفحصنا أشكال الحب المتعددة نرى أن المعاناة تكمن في صميم هذه العلاقة … ففي حب الأم لابنها تكمن معاناة الأم في سعيها في الحفاظ على طفلها والحنو عليه وحمايته وتربيته لمراحل تتجاوز الطفولة .. منبع هذه المعانات هنا هو خوف الأم (بشكل أقل الأب والسبب هنا فزيولوجي) على الصغير من المرض أو أي ضرر آخر قد يحيق به في مراحل عمره الأولى … ليتطور هذا الخوف فيما بعد لأشكال تتماشى وطبيعة الحياة …هذه المعانات وشدتها تحدد شدة تعلق الوالدين بأولادهم إلى جانب الغريزة الفطرية في الحنان التي غرزها الله في قلوب البشر، فتقف هذه المعانات مكملة لهذا الحنان وتشد عليه بمدى عمقها، وهذا ما يفسر شدة تعلق الأم بالابن أكثر من الأب! كون معاناتها أكثر عمقاً… كذلك في حال علاقة الأخوة ببعضهم يتشكل قلق من هذا النوع ولو بدرجات أقل ولكن يبق قلق الأخ على أخوته الصغار عامل مهم في رسم طبيعة علاقتهم فكلما مر الأخوة معاً بظروف صعبة كانوا مدركين لها زاد تعلقهم ببعضهم! هذا الشكل من تأثير المعانات بعلاقات الأخوة يمتد في التاريخ فطالما شكلت هذه الرابطة مصدر قوة الأخوة في مواجهتهم مخاطرهم المشتركة وهنا لا تقف حدود المعانات عند علاقة الأخوة المرتبط بصلة الدم، ففي هذا الموضع لعب الألم دوراً كبيراً في توحيد البشر فكما يرى شوبنهور فإن الألم وحده الذي يستطيع أن ينتزعنا من أنانيتنا، نجد أن هذا التصور واقع في تطور التجمعات البشرية فقد كانت ضرورة البحث عن الطعام والتغلب على الحيوانات المفترسة من جهة و مواجهة غضب الطبيعة من جهة أخرى هي السبب الرئيسي لتشكيل مثل هذه التجمعات التي بدأت تتطور أكثر عندما أعطى هذا التجمع حلاً إيجابياً في تخفيف معانات كل فرد على حدا “أليس الحزن تلٌ من الصخور لو تقاسمناه بين الأصدقاء لخف حمل كل منا منه” فقد توحد البشر في مواجهة الوحوش الضارية والأعاصير والزلازل وفي مواجهة الجوع، ومن هنا ظهرت الرابطة بينهم لتشكل العائلة الواحدة حيث رابطة الحب الأخوي والأسري أقوى من رابطة المستوى الأعلى، ومن ضرورة مواجهة المعانات تشكلت الروابط الأسرية والقبلية حتى وصلنا للروابط المدنية، فالألم لابد أن يأتي فتضطر الذات للتعبير عن ذاتها. هنا نجد أن المعانات كان لها دور كبير في ترسيخ حالة من الحب الإنساني الذي جمع البشر في عمق المعانات التي ينطوي عليها هذا الحب.                                                                                                                                                                                                                            بالانتقال للحب في منظوره العام كعلاقة بين شخصين من جنسين مختلفين نجد أنه لا يشذ عن الأنماط السابقة من حيث تضمنه لمعانات جميلة وممتعة وهي الشوق، فإذا كانت اللذة توحد بين الأجسام فإن الألم يوحد بين النفوس (لافيل) فكلما ظهرت العقبات والصعوبات أمام المحبين زاد تعلقهم ببعضهم ورسموا حياتهم من خلال شق طريق الحب عبر تلك الصعوبات فالحب تجربة شق طريق الأمل بمعول العطاء في جروف العزلة.

نجد في حالة الحب بشكل عام أن المعانات لعبت دور المحرض للمشاعر البشرية حيث عملت على تكشفها وإخراجها من غيابات الأنانية ….حقاً إنها العامل الأقوى لإخراج الإنسان من قوقعته التي يقبع فيها متخفياً بأصابعه رافضاً رؤية الواقع… فكلما قست تلك القوقعة وازداد انغلاقها تطلب شدة أكبر من الألم لكي تكسر تلك القوقعة أو تجعل فيها صدعاً يسمع لنور الواقع بالنفاذ لظلمات الوهم الشخصي حتى يفيء لأمره …وإن كنا هنا نتكلم عن البشر فنحن نستثني من ماتت قلوبهم فعليهم غشاوة لا يبصرون.

لكن الحب ومع أنه البودقة التي تنصهر فيها مكونات البشر لتكون الإنسان، فهو نابع عن طبيعة حرة لا يستطيع أن يسلبها أحد، حقاً إننا نثور لطلب هذه الحرية من مغتصبيها..حرية الحب من مغتصبي الحب وإنسانية الإنسان…فإن كان الحب من يمنح الإنسانية ماهيتها فالحرية هي الإنسانية بكل صورها ونشاطاتها …هي منبع كل ما هو إنساني …فليس الظلم واغتصاب حرية الآخرين منها بشيء…

لكن أين تكمن المعانات في الحرية…وهل للحرية معانات ترسم ملامحها كالحب؟!                                                                                                      الحرية كحالة إنسانية تعتبر مطلب صعب أكثر من كونها روتين حياة يعاش كباقي أشكال الحياة الأخرى فليس أشق على الناس من أن يصبحوا أحرار، ولابد للحرية أن تصطدم بعائق حتى تستحيل لقيمة محسوسة، شدة هذه العوائق وكثرتها تزيد من قيمة شعورنا بالحرية بعد تخطي هذه الحواجز ويكون هنا حجم المعانات المعاشة كي نجتاز هذه العوائق الأساس في شعورنا بالحرية فحن لن نحصل على الحرية كمنحة من أحد فإن منحنا الله الحرية عند الولادة فقد احتجزتها الحياة في سجون العسرة وأقفلت عليها بأغلال المشقة واحتفظت لها بمفتاح واحد هو المعانات بحيث لا ينال إنسان حقه بالحرية إلا بامتلاكه مفاتيحها وكما يقول لافيل إن كل من الحر والمستعبد يملك من الحرية بقدر ما يستحق…فتكون المعانات هي السبيل لنيل الحرية وليس من جوهرها كما في الحب الذي يأتي بإرادة ذاتية ولكن تعايش معاناته بتفاصيل الحب أما هنا فالحرية لا يمكن لمسها على أرض الواقع إلا عبر طريق شائك من المحن والمعاناة….فهي حرية مجاهدة لابد أن تمر بمرحلة من الصراع والتناقض… لكن هل الجميع مستعدون لتقديم هذه الأثمان والسير في مثل هذه الدروب …التجربة الإنسانية تثبت عكس ذلك فكثيراً ما تخلى الناس عن حريتهم أو بجزء منها حتى ينعموا بحياة هادئة وعبودية سهلة فيرضون بالقليل مما تمنحه الحياة لهم من حرية محددة مقيدة بظروف تفرضها القوى المسيطرة كقوى الطبيعة.  في البداية ظل الإنسان عبداً للطبيعة وسطوتها لقرون عدة مكتفياً بحرية مادية حيوانية الشكل بحيث تنحصر في الأكل والشرب والتكاثر ولكن فيما بعد رفض الإنسان عبودية الطبيعة فرسم صور للقوى غيبية تقرب لها ليبرر عبوديته لهذه الطبيعة… بعدها عمل على التحرر من هذه الطبيعة ببناء علاقات حب وأخوة ليصل لحريته… حرية من الطبيعة والصبغة الحيوانية التي فرضتها عليه… فكان الحب ناتج عن معاناة العبودية وطريق للحرية … فلما استمتع الإنسان بمعنى الحرية ….بدأ يوسع مجالات حريته… من حرية طبيعية لحرية الرأي والمعتقد… وبدأت تبنى بعض المجتمعات على أسس من الحرية ….حرية طبقة محددة وطبقة ظلت مستعبدة….رضت بعبوديتها حتى وقت طويل…وبدأت تتطور أشكال الحرية ومجالاتها وإن كان ببطء في العهود الغابرة …حرية غالية رفض من وصل لها أن يشاركها فيه غيره من الناس فبقت حكراً على طبقة الأحرار التي منحت نفسها صفات إلوهية لتمتعها بهذه الخاصية بعد الجهد التي بذلته لتحرر نفسها فأصبحت إرث لأجيال الأحرار…حتى أصبح للحرية طابع إلهي في ذلك الوقت … كان للمنحى الديني دور في تعميم الحرية بعد أن ساوى بين الناس وربط بينهم بروابط أخوة ومحبة لا يمكن فيها أن يسلب أخ حرية أخيه …فأن تحب أخيك يعني أن تساعده في الوصول لحريته وأن نحب بعضنا يعني المحافظة على حريتنا… أن نسمو بالبشرية للمراتب العليا التي ظلت حكراً على طبقات محددة من الناس بحيث نتساوى في حريتنا من خلال المعاناة المشتركة للبشرية…لكن هذه الحرية عبر الزمن لم تبق تورث من اسم العائلة أو تعاليم دين محدد…فحافظت على ميزتها الخاصة بأنه لا يمكن الحصول عليها دون جهد ومعاناة باستمرار … بعد أن عاد واستعد الناس بعضهم بصيغ أخرى مختلفة.

نعاني لنحصل على الحرية ونحب فنعاني من أشواق الحب !…فهل للمعاناة هذا الطابع السلبي أم تستحق الحرية هذه المعاناة…وهل يوجد طعم للحب دون معاناة أم هل يصح تسميته حب أن لم يمتزج بالمعاناة؟ هل يمكن أن نسمي الشخص الذي يفضل راحته الذليلة على حريته وبرده وعزلته على الحب…إن أي شخص لا يشعر بثقل عبوديته لا يمكن اعتباره إنسان كونه تجرد من الحرية التي يمكن أن تعبر عنه كإنسان! وكائن بلا حب لا يمكن أن يوصف بأنه إنسان!….

معاناة تمنح الإنسان خصائصه وصفاته من خلال امتزاجها وترافقها بأهم حالات الإنسانية … الحرية والحب من الصعب التنكر لها في باقي أشكال الحياة … من خلال التجربة اليومية لنا نجد أن أكثر نجاحاتنا متعة تلك التي نعاني كثيراً حتى نصل إليها … لم نر شخص حصل على شهادات علمية أو ثقافة أو مال دون بذل جهد شديد ومعاناة قاهرة …قد تصل حد مصارعة المستحيل!…حقاً إن ما نعانيه في مسير حياتنا هو ما يرسم ملامحنا ويحدد شخصياتنا… إن الأشخاص الذين مروا بتجارب صعبة وحياة ليست بالسهلة تصقل شخصيتهم بطريقة عملية وحازمة أكثر من هؤلاء الذين يعيشون حياة سهلة لا مصاعب فيها تكون تجاربهم هشة ومقدرتهم على مجابهة الحياة منخفضة…قد نستطيع القول أن عمر الإنسان لا يقاس بعدد الأعوام التي مرت عليه بل بعدد التجارب التي خاضها في الحياة والمحن التي تخطها في مسيرته في الحياة…قد يكون هذا ما يفسر كما يرى ابن خلدون حكمة أهل البادية فهم يمرون بشغف في الحياة ومحن تعلمهم الكثير وتجعل منهم أشخاص ذوي شخصية جلدة…أما أبناء المدن والحضارة الاستعبادية التي توفر له كل وسائل الراحة فتجعل منه عبد لهذه الأدوات الحضارية بحيث لا يجد مكان للرفض والجدال في حياته…فتسلب حريته وهو لا يجد من المعاناة في الحياة ما يكفي ليقدم ثمن حرية لم يتذوق منها غير ما منحته أسياد الحضارة من ذل مقنع بطريقة حرة…يختار فيها شكل عبوديته….دو أن يشعر بأنه عبد ليصبح أسوء أنواع العبيد الذين لا يشعرون بالقيود التي تحيط بهم!! بل يحاول أن يجد شكل من المعاناة يبتكرها هو… يحاول أن يصنع من جزئيات حياته الخاوية شكل للمعاناة…كأن يعاني من خسارة فريق كرة يشجعه أو يعاني من كثرة الضحك!… في حين تلك التجاعيد والأخاديد التي ترسمها معاناة الحياة في وجوه وعلى أيدي الأحرار هي الطريق الوحيد لرسم سبيل الحرية وحصول الإنسان على حقوقه في الحياة…إن حياة خاوية من المعاناة لا يمكن أن تسمى حتى حياة حيوانية لأن حتى الحيوانات تصارع للحصول على حاجاتها الحيوانية وتدخل في صراعات مع الكائنات الأخرى التي تحاول سلبها حقوقها…حياة خاوية من المعانات زهرة بلا عبير …إن أجمل الورود وأعبقها تلك التي لها أشواك. قد لا يكون هناك معبر عن تغلغل المعاناة في كل نواحي الحياة الإنسانية بقدر الآية الكريمة ” لقد خلقنا الإنسان في كبد” سورة البلد، ” إنك كادحاً إلى ربك كدحاً فملاقيه”

Tagged: , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: