القرارة

القرارة

في عتمة ليل بارد ،وشارع طويل وأناس ذاهبون وعائدون….أناس يتحركون بكل اتجاه…..كنت هنالك امشي وحدي …وقد تكدست همومي في صدري حتى صعب علي التنفس…وتكاثرت أفكاري….امشي ملتحفا كفني حاملاً بين يدي ذلك القليل جداً…عملي…امشي في عتمت ذلك الدرب هائما على وجهي دون هدىً …باحث عن موتي ….حيث لم يبق لي مكان آخر اتجه إليه غيره…ابحث عن موتي بعد أن مللت من البحث عن حياتي …. ابحث عن تلك الحقيقة الوحيدة التي لم يستطع احد إنكارها….تلك الحقيقة التي لم استطع أن أجادل أحد بها… ذهبت أليها بعد أن مللت الجدل…وما نفع الجدل…. كل هذا حصل بعد أن قررت أن أخرج رأسي من القرارة

القرارة ذلك المكان الصغير جداً….والمنخفض جداً…في قعر هذه الدنيا…حيث أعيش أنا وكل من حالهم مثل حالتي…مكان أخفض من أن يرانا أحد..أو أن نرى أحد…..حيث نعيش حتى نموت…بل نعيش كي نموت…

في هذه القرارة يبني كل منا قوقعة تكفيه…أو هو يوهم نفسه بذلك….فالمدينة ساعتها ساعات….وليلها ليال…كل منا لها مدينته…وأولئك الذين يعيشون في القرارة لا تتجاوز مدنهم تلك المسافة الواصلة بين جوعهم وشبعهم… بين مكان العمل والبيت….لهم نفس السيرة الذاتية ….وإن اختلفت أسماء الأماكن….فكلهم ولدوا…تربوا في مدرسة حكومية….تركوا مدارسهم….ذهبوا للعمل صغار….انهوا الخدمة الإلزامية….تزوجوا….ربوا أولادهم كما عاشوا….ماتوا…..كان اسعد شيء في حياتهم أن تزوجوا من فتات لم يعرفوا اسمها أو شكلها حتى ليلة العرس… هم جميعاً فرحون بما لديهم…. من بؤس…لم يجرب الكثير منهم الخروج من هذه القوقعة…ومن جرب فقد فسد …وفسد معه من حوله…ذلك أنه لم يخرج من قوقعته…بل قوقع تلك الحياة التي رآها خارج القوقعة ثم عاد مسرعاً للقرارة …. حيث يكون جل الذي صنعه …توسيع للقرارة….

يعيش كل منا في تلك القرارة راغباً في تغيير شكل حياته والخروج منها…رأى الكثيرون منا طبيعة عيش أناس غيرنا…ليسوا بعيدين عنا…ففي المنزل الواحد…يعيش كل فرد في قرارته….في قوقعته…بشكل مختلف عن ما يعيشه من يشاركونه هذا البيت….كل واحد منا له عالمه الخاص …مهما تقاربت حدودنا وغاياتنا….يبقى كل منا في قوقعته منفرد….إن من أكبر المشاكل التي تواجهنا هي اقتحام قوقعة أحدهم رغم عنه….أو أن يحاول هذا أن يقتحم قوقعتنا دون رغبتنا…..حقاً إننا نحدد طبيعة الأشخاص الذين يمكن أن يقتربوا قليلاً من تلك القوقعة….إنها أكثر أسرارنا سرية…إنا لنخشى إن يطلع أحد على هذه القوقعة ….إلا من كان يشاركنا نفس القرارة….ونكون دائماً مخفضين رأسنا تائهين في هذا العالم الصغير…تلك المدينة الخاصة بنا…حيث نروح ونعود…نمضي في ذلك التتابع اليومي نفسه…نحاول أن نشغل أن نفسنا قدر الإمكان …في البحث عن شيء يغير طبيعة هذه الحياة.. ولكن بالوقت نفسه نخشى أن نرفع رأسنا قليلاً فنرى مكاننا في هذه القرارة…

نعيش كما عاش آباؤنا من قبلنا…نحمل أسماءهم وهمومهم …نحمل نفس الذنوب والحسنات…نعيش نفس تفاصيل الحياة العامة….فالقرارة ليست مقتصرة على زمان…بل هي في كل زمان ومكان…كأننا نعيش سنين من العزلة.. عزلة جماعية وأخرى فردية…فأخوك يعيش بشكل مختلف عنك…ليس بالضرورة أفضل…تجده ممتلك لما ترغب …لكن لا تدرك أنك تملك ما يرغب…وكلاكما تفقدان نفس الشيء…بل كلاكما تعيشان في القرارة…

لكن هنالك الكثيرين ممن حاولوا أن يخرجوا عن طريقة عيش آبائهم…حقاً إنهم أدوات التغيير…ولكن منهم من خرج عن طبيعة حياته دون أن يملك مقدرات ذلك…رغبة في التقليد فقط…دون علم أو معرفة في طبيعة هذه المنطقة التي ينتقل إليها من الحياة …خروج يدفع ثمنه جهد مضاعف لتأمين المتطلبات المادية لهذا التغيير العبثي..ولكنه أكثر الخاسرين…لأنه لم يدرك أنه ينتقل من منطقة من القرارة إلى منطقة أخرى ضمن نفس المستوي…أو طريقة مختلفة لتخدير الإنسان الذي يعيش داخله….إن المغيرين الحقيقيين هم الذين خرجوا من القرارة …ذهبوا إلى مكان آخر…إلى أعماق أنفسهم…ولكن لهذا ثمن أيضاً.

إنه لشعور مؤلم ومحبط ذلك الذي ينتابك حين يأتي أحدهم ويخرجك من قوقعتك… حين يضطرك لترفع رأسك فترى أين أنت….في القاع…في قاع الحياة …في غمرة يصعب الخروج منها أو الإبطاء من سرعتها….ترى من حولك يعيشون حياة مختلفة عن حياتك….لا يعانون ما تعانيه….لا يشعرون ما تشعر به…بل حتى لا يدرون بوجودك….ترى الحياة مختلفة عن ما تعرف… ترى المدينة التي تعيش فيها أكبر مما تظن…ترى أن ما تظنه مستحيل هو أمر اعتيادي بالنسبة لغيرك…..تدرك الحياة بمفهوم مختلف ….مختلف عنك أنت….هل أنا إنسان؟.. هل أنا حي؟أم جثة لم تجد بعد من يدفنها؟….تلك الصدمة التي ستنتابك سيكون لها من التأثير ما قد يفقدك صوابك …ولكن كل هذا سيحصل عندما تسمح لأحد منا من الدخول إلى قوقعتك….شخص سيدخلها مشرع له الأبواب بداعي الحب…أو التغيير…بداعي الصداقة….ولكن لا تلبث أن تكتشف بعد البحث في دوائر هذا المكان وصلت إليه أنك خرجت من القوقعة…فقط…ولكنك ما تزال في القرارة في ذلك الحضيض الدنيوي…إن هؤلاء الذين رأيتهم مختلفين…هم مختلفون فقط…ولكن ليسوا أفضل حالاً منك…فقد تساعدنا تجربة حب على الخروج من القوقعة …لا أكثر…ولكن مع ذلك فإن هذه الصدمة الأولى جيدة…لتخرج إلى المستوى الأعلى …إنك ستصحو على ذلك الواقع بعد تدخل خارجي

ولكن إن ذهبت بعيداً عن الجميع…بعيد عن الحياة….. عميقاً في ذاتك…حيث يكمن الإنسان…ذلك الذي أنت هو…إنسان ولد …ولد لسبب ما مختلف تماماً عن هذا الواقع الذي يعيشه…فقرر أن يبقى مختبئ داخل هذا الجسد …. بعيد عن كل ما هو غير إنساني….إن اللحظات القليلة التي أشعر بأنني إنسان هي التي أعود فيها إلى أعماقي حيث تتحرك مشاعري…حيث أشعر أني مختلف عن هذا الذي أحياه الآن كائن مختلف تماماً….في لحظة الإدراك الروحي…حيث تلمس قرارة قلبك بيديك وتتنفس معناك…تتعرف على نفسك بشكل مختلف عن ما ينقله لك الآخرون …قد يساعدك في ذلك لحظة حب…حيث يدخل شخص آخر حياتك….عنوة أو عن طيب خاطر…فيحرك فيك ما كنت تخفيه…تتستر عليه وتحبسه تحت ذلك الوجه….الإنسان….الذي اختفى..إننا حقاً لا نراه إلا في حالة واحدة …هي عندما نكون …أحراراً…فأنا عندما أحب أشعر بالحرية …وأنا عندما اتخذ قراراً بالدخول إلى أعماق … فأنا حر…

حرية….منعت عنا فأصبحنا عبيد القرارة….لا نخرج منها إلا لنذهب لغيرها…. ذلك أن الجميع باختلاف أحوالهم يعيشون في القرارة ولكن على مستويات مختلفة ….جميع العامة تعيش نفس الحياة….في القاع العميق…يملك البعض من المال ما ينسيهم ويملك البعض من الهم ما يغشيهم…جميعهم غير مدركين لمكانتهم …لم يلمسوا يوماً قرارة قلوبهم حيث يعيش ذلك الإنسان…لم يروى حقيقتهم…أنهم عبيد…عبيد الحضارة والمدنية.. عبيد كل شيء من حولهم …عبيد تلك الطبقة التي تسيطر على مقدرات حياتهم …تبقيهم مخدرين غير واعين لإنسانيتهم … لحريتهم…

أن أكون حر فهذا الشيء الوحيد الذي يعني أنني إنسان…هو المميز الوحيد الذي يجعلني مختلف عن الأبقار والأغنام…أنني أملك الحرية …ولكن….كيف أكون حر؟!…هل فقط باختياري لطريقة عبوديتي أكون حر… هذا ما تركته المدنية لنا…هذا ما تركه العبيد المسيطرون على أمورنا لنا…حرية اختيار العبودية…فأنت مخير (حر) في الطريقة أو الشيء الذي ترغب أن تكون عبداً له…وإن كانت هذه العبودية تفرض علينا في الكثير من جوانبها من خلال تعليق كل مسار حياتنا بها…كل هذا يعتبر سهل وهين…يمكن أن نتعلق بأمور تجعل حياتنا أسهل … مقابل التخلي عن القليل من الحرية المطلقة …ولكن ما لا يحتمل أن نكون عبيد فقط لا غير…مسيرين من قبل عبيد تملكوا مقومات حياتنا …يمنحوننا البقاء على قيد الحياة ويسلبوننا كل شيء آخر…الفرح…الحزن…إنسانيتنا … ومعنى الحب…كل شيء يمكن أن يشعرك بأنك إنسان..الحب لم يعد إلا كذب وخداع ومتع جنسية…والصداقة تبادل مصالح مادية…والعبادة يراء …واحذر أن تعود لقرارة قلبك…

أخرجت رأسي من قرارتي يوماً وخضت في ذاتي مبتعد عن كذب الناس وريائهم …فإذا بي أجد نفسي أطير في جو الحياة أرى كل الناس تتحرك دون وجهة…تذهب إلى موتها بطرق مختلفة…ولكن الطريق الوحيد التي تذهب إليه هو الموت…رأيت الكثير مما لم أكن أرغب في رؤيته…وجدت أني عبد للمادة…عبد لناس عبيد…أتحرك في فضاء أناس آخرين…أبحث عن شيء تركه غيري…ولكن لا أبحث عن نفسي…

قررت نهاية إني إن لم أكن حراً فعلي أن لا أكون عبداً…وإن كان الجميع يجدون الموت أثناء بحثهم عن الحياة ..فأني سأبحث عن الموت لعلي أجد الحياة…عندما أموت أصبح حراً من العبودية…

Tagged:

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: