القدس بين حقائق التاريخ وزيف الإسرائيليات

          المحاضر الأستاذ الدكتور  سهيل  زكار

المؤرخ والأستاذ  الجامعي بكلية الآداب – جامعة دمشق

 

إدارة المحاضرة : الدكتور سعد السهولي

      أمين قسم التاريخ بكلية الآداب – جامعة الفاتح

مقدمة

 

          ما من مدينة حظيت باهتمام الباحثين والمؤرخين مثل مدينة القدس ، وكذلك باهتمام رجال اللاهوت والسياسة ، ويلاحظ أن جل الكتابات بغير العربية لم يتحرر بعد من التأثيرات المنبعثة من أساطير العهد القديم من الكتاب المقدس ، لا بل إن غالبيتها يداري هذه الأساطير ويخشى من أتباعها ، أو يسعى لتسويقها بطرق التفافية ، فيها مكر وخداع ، وبراعة متناهية ، وقد يكون هذا مسوغاً بعض الشيء للمنتمين للمجتمعات الغربية ، مع أن السمة الأساسية للمؤرخ هي الحيادية والصدق والصراحة ، وصحيح أن التاريخ خبر ورؤية ، لكن لا يجوز اعتماد الخبر الزائف ، كما لا يجوز أن تتحول الرؤية إلى تأويل ، لأن في التأويل تعطيل .

والذي يثير الحزن والحيرة هو الكتابات العربية ، فبعض هذه الكتابات هي نسخ مصنعة بمهارة كبيرة ، مع اقتباس كامل للكتابات الغربية ، وبالتالي تستهدف بمختلف الطرق تسويق المزاعم الصهيونية ، أو بالحري أساطير العهد القديم ، والتي في الوقت نفسه محاطة بهالة من القداسة ، تراكمت خلال ما يزيد على ثلاثة آلاف عام ، وهذه الأساطير كانت وما برحت ميداناً رحباً للقصاص والوعاظ ، والمبشرين والخطباء ، ذلك أن الكثيرين من هؤلاء في الغرب المسيحي ، وأيضاً بين المسلمين مصابين بوباء الإسرائيليات ، وأشد ما يخشاه الإنسان أن الجهل المترافق مع التعصب يقود إلى مزالق خطرة جداً ، فقد تصدى مؤخراً واحد من العلماء السلفيين المرموقين للبحث في صحة الأحاديث المتعلقة بالصخرة ، وليت الأمر أقتصر على هذا ، بل خلص إلى القول بعدم صحة جميع الأحاديث ، وأن الصخرة حق لليهود  ، أغتصبه المسلمون ، ولم ينتبه هذا المتخلف أنه حين قال بالاغتصاب أتهم النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم ، حين صلى هناك بجميع الأنبياء يوم الإسراء ، وأن المعراج لم يكن من فوق الصخرة إلا لحكمة ربانية ، أقلها أن طريق السماء يمر عبر القدس إلى مكة المكرمة والمدينة ، والتفريط بأي جزء من القدس مقدمة للتفريط بمكة والمدينة ، ولم تقتصر التهمة هنا على النبي صلى الله عليه وسلم، بل شملت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، حين قدم إلى القدس فتسلمها محرراً ، وفتش عن موقع الصخرة ، وإلى جانبها أختط محراب المسجد العمري أو المسجد الأقصى .

هذا وما من أمر أضر بالفكر الإسلامي ، خاصة بالتفسير والأخبار والقصص مثل الإسرائيليات ،وعجباً كيف أقدم بعضهم على تفسير كلام الله بكلام الحاخامات ، ومازالوا يفعلون، أوليس هؤلاء ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ، والمصادر المعتمدة لتاريخ القدس القديم ، هي نتائج الحفريات الأثرية فيها ، وفي جميع أرجاء بلاد البحر المتوسط ، ومع الآثار الكتب والمدونات إن توفرت ، وفحصت رواياتها ومحصت وفق قواعد البحث التاريخي ، وكانت القدس قد شهدت الحفريات الأثرية ، التي تولاها الغربيون منذ عام 1799م، وأضرت معظم هذه الحفريات أكثر مما أفادت ، لأنها شوهت المواقع الأثرية، بسبب أنها جرت على أيدي هواة ورجال لاهوت ، استهدفوا البرهنة على صحة روايات العهد القديم  وليس كشف الحقيقة ، ولذلك ينبغي التعامل مع تقارير هذه الحفريات بكل حذر ، علماً بأن العلماء باتوا لا يأخذون بجل التقارير التي كتبت قبل العقد الأخير من القرن الماضي ، فمنذ تسعينات القرن العشرين بدأت الحفريات الأثرية تكتسي الطابع العلمي إلى حد ما ، وأجمعت نتائج الحفريات أن جميع مرويات العهد القديم شيء والتاريخ الصحيح شيء أخر تماماً ، وبناء عليه باتت تقارير الآثاريين الغربيين تحمل من التناقضات أكثر مما تحمله مرويات العهد القديم ، وفيها تزييف غالباً ما جاء متعمداً ، وتوجب الآن على كل باحث منصف عدم تصديق قراءات النصوص القديمة مع التفاسير التي أعدت حولها ، وإعادة النظر بكل شيء.

هذا وكان بودي أن أقدم الآن عرضاً لتاريخ تدوين أسفار العهد القديم ، مع تبيان مراحل تطور العقيدة الموجودة في هذه الأسفار ، ولكن لتعذر ذلك لعله تكفي الإشارة الآن إلى أن أول محاولة لتدوين ما نسب إلى النبي موسى عليه السلام ، جرت بعده بحوالي عشرة قرون على الأقل ، وأن ذلك كان في بلاط الدولة الإخمينية الفارسية ، هذا وينبغي أن نميز دوماً بين بني إسرائيل وبين اليهود ، ذلك أن اسم يهود ظهر في أيام الحكم الأخميني لفلسطين ، نسبة إلى موقع إداري صغير ، ونضيف إلى هذا أنه في أيامنا أكثر من تسعين بالمائة من يهود العالم الأوروبي وفلسطين المحتلة هم من أصل خزري ، وهذه كلها موضوعات تناولتها بالبحث العلمي الدقيق والموثق .

وفي تمهيد للحديث عن تاريخ القدس القديم سوف أشير إلى تواريخ بعض الأحداث المزعومة حسب مرويات العهد القديم ، وبالمقابل إلى التواريخ المعطاة من خلال الحفريات الأثرية ـ اعتماداً على دراسة الطبقات والنماذج الأثرية ، والكربون المشع (14) والتحليل بالطيف .

2000 – 1500 ق . م الزمن الذي عاش فيه إبراهيم وإسحاق ويعقوب .

1260 – 1250 ق . م الزمن المعطى للخروج من مصر بقيادة موسى .

1200 – 1000 ق . م الاستقرار في أرض كنعان بقيادة يوشع بن نون .

1001 – 969 ق . م تأسيس مملكة داود في القدس .

969   – 931 ق .م  ملك سليمان وبناء الهيكل الأول .

931  – 931 ق . م ملك رحبعام بن سليمان ، وانقسام المملكة إلى مملكتين :في الشمال مملكة  

                           إسرائيل ، وفي الجنوب مملكة يهوذا .   

931 – 910 ق .م  ملك يربعام بن سليمان على مملكة إسرائيل .

885 – 874 ق .م قيام مملكة بيت عمري التي حاضرتها ما عرف باسم مدينة سمر أو  

                        السامرة .

874 – 853 ق . م ملك أحاب بن عمري .

723 – 722 ق . م استيلاء الآشوريين على سمر ( السامرة ) وتهجير أهلها واحلال قوم جدد

                        محلهم .

605 – 586 ق . م سقوط الدولة الآشورية ، وقيام دولة بابل الثانية ( الكلدانية ).

587 – 538 ق . م السبلي البابلي .

538 – ق . م استيلاء قورش على بابل .

538 – 333 ق .م الحكم الإخميني لبلاد الشام ، وكذلك مصر .

336 ق . م ظهور الإسكندر المقدوني .

141 ق . م قيام كيان الحشمونيين أو المكابيين .

63 ق . م استيلاء بومبي باسم روما على بلاد الشام .

37 ق . م – 4 . م ملك هيرود الكبير .

66 – 73 . م تدمير فسبسيان الروماني لفلسطين وإبادة أهلها .

 

ولدى التعامل مع الأرقام المبكرة من هذه التواريخ المفترضة لم يمكن العثور على ما يؤكد دخول إبراهيم إلى فلسطين ، وبينت الدراسات النقدية للنصوص التوراتية ، أن أخباره أضيفت إليها في تاريخ لاحق ، في حوالي القرن الميلادي الأول ، وأودعت في سفر التكوين ، ثم إن عمليات المسح الكامل للبحر الميت لم تكشف عن غرق مدينتي سدوم وعمروة فيه ، وحين ذهب باحثان أمريكيان إلى أن موقع “باب الذرا ” هي سدوم ، و” النميرية ” هي عمورة تبين أن هذين الموقعين قائمان على مقربة من البحر الميت ، وليس فيه ، وأن الحياة توقفت فيهما في عام (2350 ق . م) ، ولم يعثر في البقايا الأثرية على ما يشير إلى حياة غير عادية ، لا سيما بعد اكتشاف المقابر هناك ، وفحص بقايا الهياكل العظمية ، ولا أستهدف هنا نفي خبر إبراهيم الخليل ، ولا خبر قوم لوط ، بل أريد التذكير بأن حياة إبراهيم مرتبطة مع مكة المكرمة ، وبناء البيت الحرام فيها ، وأن الشذوذ الجنسي لم يمارس في بلاد الشام ، وأن القرآن الكريم حين أتى على ذكر ما حل بقوم لوط لم يحدد لا الزمان ولا المكان ( أنظر سورة هود – الآيات : 73- 83 ).وفيما يتعلق بموضوع الخروج ، وقبل  ذلك الدخول إلى مصر ، فهو مختلف تماماً ، لأن وصف البلاد التي كان منها الخروج لا ينطبق على مواد سفر الخروج ، ثم ما من واحد من ملوك مصر ، لا سيما أيام حكم الهكسوس حمل لقب فرعون ، بل عرف الملوك بملوك مصر العليا أو السفلى ، أو هما معاً والفرعون بالعربية هو الطاغية المتسلط ، وفي القرآن الكريم نقرأ في سورة الفجر ( إرم ذات العماد . التي لم يخلق مثلها في البلاد . وثمود الذين جابوا الصخر بالواد . وفرعون ذي الأوتاد . الذين طغوا في البلاد . فأكثروا فيها الفساد . فصب عليهم ربك سوط عذاب . إن ربك لبا لمرصاد ) ، وواضح من هذه الآيات الكريمة الفرق والتمييز بين الأعمدة والأوتاد ، فالأوتاد مرتبطة بخيام نظام البداوة ، وأظهرت الحفريات الأثرية والمسح الشامل لشبه جزيرة سيناء وبرهنت أنها لم تعرف حوادث ما عرف بالخروج ، هذا ولم يفصل سيناء عن مصر أي بحر ( قبل حفر قناة السويس ) ، وشكلت سيناء بين بلاد الشام ومصر جسراً للمواصلات ، وهذا الجسر لم تتوقف عليه الحركة قط بين البلدين ، علماً بأنه لم يكتشف أي ملك مصري غرق في البحر ، وملك مصر لم يسكن الخيام ، ولم يكن شيخ عشيرة يستنفر أتباعه ليقوم بمطاردة مفاجئة وسريعة .

وما قيل عن عبودية اليهود في مصر ، وتسخيرهم في بناء الأهرامات محض اختلاق ، لأن الأهرامات بنيت في حوالي / 2500 ق .م / وتم الكشف عن مقابر الذين أسهموا في بناء هذه المقابر العملاقة ، فتبين أنهم من أهل مصر ، علماً بأن اليهود حملوا دوماً البغضاء لمصر ، ودأبوا في العصر الحديث على التشهير بها وبتاريخها المجيد ، بأعمال التبشير ، وبالأفلام السينمائية ، وظلوا يضغطون على حكامها حتى ورطوها في كامب ديفيد ، مما ألحق أضراراً بها وبالأمة العربية لا يمكن تقديرها .

ومجدداً بالنسبة لسيناء قد يقول قائل : وماذا عمـــا ورد فــي سورة التين قوله جل وعلا ( والتين والزيتون . وطور سنين . وهذا البلد الآمين ) ؟ نقول : قد يكون المقصود هنا جبل شبه جزيرة سناء أو جبل القديسة كاترين ، وهذا الجبل مقدس لدى النصارى وليس لدى اليهود ، والقديسة كاترين مصرية لها حكاية طويلة في الآداب اللاهوتية للمسيحية ، ومرة أخرى نواجه سؤالاً آخر حول المكان الذي هرب إليه النبي موسى ، وحول مدين النبي شعيب ، فالإشارة التي وردت في القرآن الكريم ذكرت اسم مكان أسمه طوى ، وأن موسى عليه السلام مر بهذا المكان أثناء سفره ، وذلك قوله تعالى ( فأخلع نعليك إنك بالواد المقدس طُوى ) سورة طه الآية 12 ، وقد تناول هذا الموضوع ياقوت الحموي في معجم البلدان ، فبين اختلاف الآراء حول الموضوع ، وروى بأن من معاني “بالواد المقدس طُوى ” : ” أي طُوى مرتين ، أي قدس … وثنيت فيه البركة والتقديس مرتين” وأضاف بأن ” ذي طوى – بالضم أيضاً – موضع عند مكة” ومثل هذا هناك عدم اتفاق حول تحديد مكان مدين ، حيث عاش النبي شعيب الذي أسمه عند اليهود “يثرو” ، علماً بأن بعض الدراسات الحديثة الموجهة من قبل إسرائيل والصهيونية ذهبت إلى القول الآن بأن بلاد مدين هي منطقة تبوك ، وأن جبل موسى أو حوريب هو جبل اللوز هناك ، وأن عبور البحر كان عند خليج العقبة ، ودوافع هذا التوجه محض سياسية توسعية تستهدف السيطرة الإسرائيلية على خليج العقبة تماماً من جميع الجهات ، وتثبت ذريعة للتوسع المستقبلي في شبه جزيرة العرب .

هذا ودللت نتائج الحفريات الأثرية على عدم دخول هجرة بشرية مدمرة أو غير مدمرة إلى أرض كنعان منذ القرن الثاني عشر قبل الميلاد ، لذلك مال الكتاب الغربيون والصهاينة والذين يدورون بفلكهم إلى القول بأنه لم يكن هناك هجرة ، بل تسرب سلمي ، دون تحديد لمصدر هذا التسرب ، لا بل عدم اتفاق على هوية المتسربين وتعدادهم ، وبالفعل هذا كله اختراع ، والاختراع في التاريخ زيف ، فقد برهنت المكتشفات الأثرية على أن أريحا لم يلحقها التدمير نتيجة هجوم أو غير ذلك ، ومثل هذا بقية مدن فلسطين التي كانت موجودة آنذاك .

وذهبت مروريات التوراة إلى أن موسى لم يدخل إلى فلسطين ، بل وصل إلى منطقة مُاّب ، في أردن اليوم وصعد إلى قمة جبل حيث شاهد “الأرض المقدسة” أو “أرض الميعاد” ثم توفى ، ومن الصعود إلى قمة هذا الجبل في هذه الأيام لا يمكن مشاهدة أي شيء مما ورد ذكره في التوراة ، ومن المؤكد أن موسى لم يصل إلى هذا الجبل ، ولا إلى أية منطقة في بلاد الشام ، وهم قالوا بأن موسى قد دفن فيه لقداسة هذا الجبل منذ القديم ، وبالفعل كان هذا الجبل مقدساً ، ولذلك استعار كتاب التوراة اسمه ، ذلك أن قمته وسفوحه ، والوادي دونه ، فيها مقابر كثيرة .

فقد جرت الحفريات الأثرية في هذا الجبل منذ عام1933 م، وتبين أنه أستخدم بمثابة مقبرة منذ الآلف الرابع قبل الميلاد،وأن أقدم أنواع القبور فيه هي قد عرفت باسم “Dolmens” وهي منشآت حجرية كبيرة جداً ، لها شكل مستدير ، ولها فتحة من جهة الشرق ، وكان بين ما تم العثور عليه في هذه القبور هو بعض الأدوات التي استخدمت في الحفر والبناء ، وبعض الجرار، وإلى جانب مقابر الدلمون جرى اكتشاف مجموعة أخرى من القبور ، ويعود تاريخها إلى أكثر من ألفين قبل الميلاد ، وأفادت هذه المكتشفات أن العرب القدماء ، خاصة البداة منهم اعتادوا على القدوم إلى جبل نبو ، حيث توفر نبع غزير من الماء ، مع بعض المراعي ، فلقد كانوا يقدمون منذ أيام الربيع حاملين معهم أجساد موتاهم لإعادة دفنها ، وكانت هذه عادة مورست في أجزاء أخرى من فلسطين ، ومعلوم أن كتبة التوراة لم يتحدثوا عن كيفية موت موسى ، بل قاموا بسرقة العادة العربية الفلسطينية ، وادعوا جبل نبو لأنفسهم ، لأنه اتسم بالقداسة ، وكان يضم عدداً من المقابر ، ويرجح أنهم فعلوا هذا لدى إحدى مراحل إعادة النظر بنص التوراة في أيام المكابيين .

ومع أنني سوف أتطرق ثانية إلى قضية داود وأبنه سليمان ، أشير هنا إلى أن الحفريات الأثرية في القدس لم تظهر ولا أدنى إشارة إلى بناء هيكل سليمان ، وأهم من هذا أن هذه المدينة – كبلدة أو مدينة – لم تكن موجودة قبل آواخر القرن الثامن قبل الميلاد ، وارتبط قيام هذه البلدة مع تهديم حاضرة بيت عمري العربية ، واكتشاف نبع سلوان ، ثم انهيار الدولة الآشورية ، واسترداد مصر لقوتها . مع التبدلات التي رافقت ذلك في الاستراتيجيات والتسليح وفنون الحرب ، وطرق التجارة ، والقرب من شواطئ البحر المتوسط ، وتصدي المصريين للتوسع الكلداني في فلسطين، ومع هذا التوسع الذي هدد مصر ، وأعاد إلى الذاكرة الاحتلال الآشوري لها ، ولسوف أعالج مسألة السبي البابلي فيما بعد مع غيرها من المسائل قبل العصور الكلاسيكية ، وبودي التنويه هنا أن كل واحدة من القضايا المتقدم ذكرها  تحتاج إلى أبحاث مستفيضة ، وهذا من غير الممكن أن يقوم به فرد ، بل يحتاج إلى مؤسسات بحث مختصة ، وقد آن الآوان أن يكون في كل جامعة في المشرق والمغرب العربي مركز للدراسات الإسرائيلية ، وأعجب في الوقت نفسه من إقدام المؤسسات المالية والصناعية والتجارية في الغرب على تأسيس مراكز للبحث ، ونحن لا نفعل ذلك ، مع أن أمتنا هي أمة الأوقاف وإنشاء المدارس ، والإنفاق على العلم والعلماء وتأسيس المكتبات .

      ومن القواعد المتوجب الالتزام بها في الأبحاث التاريخية الجادة ، التمهيد بتقديم دراسة لأهم مصادر البحث ، وأن تكون هذه الدراسة نقدية ، ونظراً لخطورة موضوع تاريخ القدس ، وفي الوقت نفسه لضيق المكان الآن ، اضطررت إلى الاقتصار اليوم الإقدام على دراسة بعض المصادر المتداولة ، وأدع الدراسة الوافية إلى مناسبة أخرى إنشاء الله تعالى ويسر .

ومصادر التاريخ القديم للقدس كثيرة ، تتصدرها – كما سلفت الإشارة – نتائج الحفريات الأثرية فيها ، وفي فلسطين كلها ، مع جميع أنحاء بلاد الشام ، والنقوش المصرية القديمة ، ونصوص ونقوش بلاد الرافدين ولا سيما الآشورية ، ولا بد من التنبه أولاً إلى أن جميع نصوص النقوش والكتابات القديمة تحتاج إلى إعادة قراءة وضبط لأن الزيف لحق قراءة معظم النصوص التي لها علاقة بالقدس ، وما برح الباحثون العرب يعتمدون في الغالب على قراءة غير العرب لهذه النصوص ، مع أن العدد الكبير من أوائل الأثريين كانوا إما من رجال اللاهوت ، أو تحت تأثيرهم ، وصار الأثريون – أو لنقل أكثريتهم ، يعملون فيما بعد بتوجيه من الصهيونية ، وما برح هدف الأجيال الغربية ، تثبيت ما ورد من أخبار في العهد القديم .

والذي عثر عليه في مصر كثير جداً ، وسأقف فقط عند بعضه الأهم ، وهو نصوص اللعنة ونقش مرنبتاح ورسائل تل العمارنة :

ومن المقرر أن نصوص اللعنة تعود إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد ، وقد كتبت هذه النصوص على آنية من الفخار ، وبعض الدمى بالخط الهيراطيقي ، ومثلت هذه الدمى أسرى

موثوقين ، كشف عنها في سقارة وطيبة ، وهي محفوظة في كثير من المتاحف في أنحاء العالم، ويوجد منها نماذج في متحف القاهرة ، والأسماء التي وردت في هذه النصوص : مصرية ، ونوبية ، وسورية (آسيوية) ، ويقول أحد النصوص بعد ذكره لاسم الشخص الملعون وأسرته مع حلفائهم والمشتركين معهم ، الذين يثورون أو يتآمرون ، أو يقومون بالحرب ، أو يفكرون بالثورة في جميع أنحاء البلاد أو ” جميع الرجال ، وجميع الناس ، وجميع الشعب ، وجميع الذكور ، وجميع الخصيان ، وجميع الذين يحاولون الثورة أو التآمر ويفكرون بالحرب …. وكل كلمة شر ، وكل مقالة سوء ، وكل مؤامرة ” .

وبعد كتابة الأسماء والمطالب ، كان المصريون القدماء يكسرون هذه القطع الفخارية ، وكأنهم كانوا يعتقدون أنه يمكن بهذه الواسطة إحباط أي عمل عدواني ضد مصر ، ورواسب هذه العادة ما تزال تمارس حتى الآن في مصر وبلاد الشام ، وكان لها مثل فعل السحر وتأثيره، وذلك مع الاعتقاد بأن الحرف هو كائن حي ، ومن الأسماء السورية الآشورية التي وردت في نصوص اللعنة : بيبلوس (جبيل) وعسقلان ، وأوزو – أمام صور – وأُشام م” .

وأقدم الباحثون الغربيون فوراً على القول بأن ” أُشام م ” هي مدينة ” أورشليم” وفي هذا تدليس مكشوف ، لأن المعطيات الأثرية بينت أن مدينة القدس لم تكن قد تأسست بعد ، لأنها تأسست في أواخر القرن الثامن قبل الميلاد ، وهي حملت اسم “أورشليم” بعد ليس أقل من ألف وخمسمائة سنة من تاريخ نصوص اللعنة ، وطبعاً من الواضح أن الذي قصد ب” أُشام م ” هو بلاد الشام ، التي غزيت مصر دوماً من خلالها ، متذكرين أن تاريخ نصوص اللعنة يتزامن مع بدايات ظهور الهكسوس في مصر .

أما نقش مرنبتاح (1224- 1214ق.م) فقد كتب على صخرة سوداء ، وهو يتكون من ثمانية وعشرين سطراً ، تحدث فيه هذا الملك عن انتصاراته وانجازاته ضد الليبيين ، ثم على بعض مدن فلسطين ، حيث قال في السطر السادس والعشرين :” وانبطح كل الزعماء طالبين السلام ، ولم يعد أحد يرفع رأسه من بين التسعة ، وأمسكت التحنو ، وخاتي هدأت ، وأصيبت كنعان بكل أذى ، استسلمت عسقلون وأخذت جزر ، وينعم أصبحت كأن لم تكن “ويزريل” أقفر،  ولم يعد له بذور ، وخارو أصبحت أرملة  “.

ولدى التمعن في هذا النص ، نجد أن الذين جاء ذكرهم في الترجمة هم ثمانية ، وليسوا تسعة ، وهؤلاء الثمانية هم : “تحنو ، وخاتي ، وكنعان ، وعسقلون ، وجزر ، وينعم ، ويزريل ، وخارو ، ” فأين ذهب الأسم التاسع ؟

وقبل طرح هذا السؤال النقدي ، يلاحظ صدور دراسات كثيرة ، احتارت كيف تتعامل مع الاسم “يزريل” فكلها استسلم أن المعني هو “إسرائيل” ، وكثرت الاجتهادات والتفسيرات ، لكن قبل الغرق في بحار التزييف أعدنا النظر بقراءة النص ، فتبين أن تزييفاً لحق القراءة ، ودمج هذا التزييف بين الاسمين السابع والثامن ، وبذلك باتت الأسماء التسعة هي ” تحنو ، وخاتي ، وكنعان ، ويسقراني ، وجزر ، وينعم ، ويازير ، ويار ، وخال ” وهذا ومن المعتقد ” يازير ” هي “يازور ” أي ” بيت الزور ” على بعد 6 كمإلى الشرق من يافا ، أما جزر فتل يقع على بعد ثمانية كم إلى الجنوب الشرقي من الرملة (1) ، ومن المحتمل أن “يار” هي يارين في جنوب لبنان .

وكان من قبل قد ذهب عدد من الباحثين إلى القول بأن رمسيس الثاني والد مرنبتاح هو “فرعون الخروج” ، أما الآن فبناء على القراءة المزيفة صار مرنبتاح هو ” فرعون الخروج” ، وبشكل ملطف صار المقصود ب”يزريل” سهل يسيراو، الذي صار يعرف باسم” سهل سدرالون” وبعد الإسلام ” سهل – أو مرج – ابن عامر “.

ونلتفت الآن إلى رسائل تل العمارنة :

في عام 1887 م، كانت فلاحة مصرية تحرث قطعة أرض في خرائب “تل العمارنة”،  عاصمة الملك أخناتون أي أمنحوتب الرابع (حوالي 1379- 1362ق.م) الواقعة على دلتا النيل، فعثرت على لوح طيني مجفف عليه كتابات بلغة غريبة ، فعرضته على أحد السماسرة ، فتبين أنه مكتوب باللغة الأكادية (الكنعانية) ، وبادر المهتمون بالآثار ، وأخذوا يبحثون ، فبلغ عدد ما عثروا عليه ثلاثمائة وسبعة وسبعين لوحاً ، فيها رسائل من بلاد الشام ، نصفها تقريباً من ملوك محليين ، وأسماء هؤلاء الملوك كلها عربية من ذلك : عبدو هبه ، ولبايو(اللبوي) ومليكو، وايملكو ، وكان هؤلاء بالواقع حكاماً صغاراً تذللوا كثيراً في رسائلهم إلى الملك المصري ، وشكوا إليه من الصراعات وبعض الاضطرابات الأمنية ، وطلبوا بعض المساعدات العسكرية ، مثل عدد قليل من النبالة ، وتحتوي النصوص إشارات إلى مجموعة بدوية كان أسمها ” العفيرو” ، وأخرى أعرابية كان أسمها “شاسو” .

وقرأ أوائل رجال الاستشراق اسم “عبدو هيبا” “والعفيرو” ” الخبيرو” ، وأرادوا من وراء ذلك القول بأن العفيرو هم “العبرانيين ” ، وهنا لا ننكر أنه وجدت جماعة كان أسمها “الخبيرو” ، ولكن لابد من التمييز بين ” الخبيرو” و”العفيرو” زمنياً وجغرافياً ، فالخبيرو ورد ذكرهم في رسائل من ماري على الفرات (1730 – 1700 ق.م) ، وذلك نسبة إلى الخابور (1)  أما العفيرو فهم بداة فلسطين ، وفي العربية : التراب هو ” العفر، وعافره : صارعه … والعفرة غبرة في حمرة ….. والعفرة : المختلطون من الناس ، وعفرة الحرب والشر : شدتها …. ورجل عفر ، وعفرية ، وعفراة … أي خبيث منكر …. ومعافر : قبيلة من اليمن …. والعفر : السهام (2) : ويقابل كلمة ” شاس” في عربية القرآن الكريم “جاس” ، وفي سورة الإسراء – الآية الخامسة : (فجاسوا خلال الديار ) يضاف إلى هذا أن معنى شاسوا باللغة الهيروغليفية “الإعرابي ” والمتتبع لتاريخ فلسطين عبر العصور يجد أنه كان فيها بالإضافة إلى سكان المدن والأرياف ، دوماً بداة وأعراب ، وهذا موثق في العصر الفاطمي ، وفي كتاب الاعتبار لأسامة ابن منقذ لدى وصفه لعبوره من مصر إلى الشام ، وفي أواخر القرن الخامس عشر ، في رحله فليكس فابري (3) وبعد رسائل العمارنة استمر ذكر “العفيرو ” يرد في الكتابات المصرية ، من ذلك نقوش معبد هابو ، التي تصور انتصار رمسيس الثالث (1188 – 1157ق.م ) على شعوب البحر (فرستي – فلستي ) وفي بردية هاريس ، أهدى رمسيس هذا نفسه عدداً من ” العفيرو” إلى معبد الإله رع في عين شمس ، كما أستخدم ابنه رمسيس الرابع (1157-1151) ثمانمائة من “العفيرو ” في قطع الأحجار في وادي الحمامات (4) .

وحاولت بعض البحوث الالتفافية أن تجدد القول بأن هذه الإشارات تعني دخول العبرانيين إلى مصر حسبما ورد في العهد القديم ، كما أن القرآن الكريم في إشارته إلى كل من يوسف وموسى عليهما السلام ، ذكر مصر خمس مرات (5) ، وأن حاكمها عرف بفرعون ، ومع أنني سأقف مجدداً عند تدوين العهد القديم وتقويم مواده الاخبارية ، أوضح بداية أن أرض الكنانة كان أسمها في العصور القديمة ” كمة – كميت” أي الأرض السمراء ، وما من واحد من ملوكها حمل لقب فرعون (6) ، وظلت أرض الكنانة تحمل أسمها هذا حتى ما بعد عصر الإسكندر المقدوني في القرن الرابع ق.م .

بدليل نقش جبل رام(2) الواقع إلى الشمال من خليج الحقبة ، وقد كتب هذا النقش بحرف الجزم (القرآني ) والمسند ، والهيروغليفية ، وجاء فيه “قاد علي جيشه ، وانتهى بأرض ترضى لكلب جيشه عدا إلى الكمة كوم رع رب” .

ولعل أرض الكنانة كسبت اسم “مصر” على أيدي القوى المشرقية منذ العصر الآشوري ، أو قبيل العصر الأخميني ، الذي كانت لغته الرسمية هي اللغة الآرامية ، فبالأكادية “مصر” تعني : التخم ، ومعناها في الآرامية “المجرى ” ، ومازلنا نستخدم كلمة “مصران” أكثر من كلمة أمعاء ، وفي النصوص الآشورية وردت كلمة “مسري ، مسرو” لتعني مجرى الفرات كله أو بعضه ، ويقودنا هذا إلى المعنى القرآني حيث جاء في سورة البقرة (61) قوله تعالى ( وإذا قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ) ، وهنا إذا افترضنا أن الخروج كان من أرض الكنانة ، فهل من المعقول أن يطلب منهم موسى عليه السلام العودة إليها ، ثم كيف سيكون هنالك انشقاق للبحر مرة ثانية ، ومجدداً أذكر ثانية أنه من المعروف جغرافياً أنه لا يوجد بحر يفصل بين مصر وشبه جزيرة سيناء ، وأن الإسرائيليين الصهاينة قاموا أثناء احتلالهم لشبه جزيرة سيناء بالتفتيش في كل مكان ، فلم يجدوا أي دليل على صحة حكاية الخروج حسبما وردت في العهد القديم ، يضاف إلى هذا أن الخليل بن أحمد الفراهيدي بين في معجم العين (مادة مصر ): ” وقوله تعالى (إهبطوا مصراً) من الأمصار لذلك نونه ، ولو أراد مصر الكورة بعينها لما نون ، لأن الاسم المؤنث في المعرفة لا يجري ” ومثل هذا ورد عند الطبري في تفسيره قوله ” اهبطوا مصراً ” من الأمصار لأنكم في البدو ، والذي طلبتم لا يكون في البوادي والفيافي ، وإنما يكون في القرى والأمصار “.

ودفعت النتائج المحبطة لأعمال الكشف في شبه جزيرة سيناء ، الصهاينة والذين يعملون بتوجيه منهم إلى القول بأن جبل الطور ، أو بالحري جبل موسى لم يقع في سيناء بل في منطقة تبوك ، وثارت زوبعة هذه الدراسات لبعض الوقت ، لكنها انطفأت الآن أو كادت ، وقد عرضت بثوب أكاديمي شبه جغرافي ولغوي مضلل .

         وعلى رأس الاعتراضات على هذه الدراسات أنها غير موثقة ، وطرحت بأن التوراة كتاب مواده معتمدة (1) وهو ليس كذلك ، وهو ليس تاريخ ولا حتى كتاب دين أو ميثولوجيا ، إنه مواد جمعت من مشارب كثيرة متنوعة ومتباينة ، وقد استغرقت عملية تدوين هذه المواد وتنقيحها والإضافة إليها حوالي الألف وخمسمائة سنة ، وفرضية اللغة والتشابه بين الأسماء مغوية ، تحتاج إلى توثيق حسب المراحل التاريخية ،  أي مراحل الاستعارة من قبل الحاخامات عبر العصور ، ولهذا أجمع العلماء على القول بأن كل فقرة من أسفار العهد القديم تحتاج إلى تحليل نقدي من أجل التيقن والإعادة إلى المصدر ، والعصر ، والمكان والكاتب ، مع الاهتمام بالمناخ والتضاريس والزراعة ، لا سيما وأن زراعة الزيتون غير موجودة في شبه جزيرة العرب ، وكذلك الحياة الاجتماعية وغير ذلك كثير ، ووراء هذه الدراسات هدف خطير ، استهدف جعل مواد العهد القديم المعيار الذي تقاس عليه معلومات القرآن الكريم ، وكذلك مرويات تاريخ العرب قبل الإسلام والمكتشفات الأثرية .

ولدى القول بأن منطقة خليج العقبة كانت المنطقة التي أنشق فيها البحر ، ليتم العبور إلى بلاد مدين أي تبوك الحالية ، لأن شبه جزيرة سيناء كانت دوماً بيد القوات المصرية من أجل المواصلات مع بلاد الشام ، ومناجم النحاس واللازورد (الفيروز) ، هذا القول صحيح يرافقه سؤال هو : كيف تسنى للخارجين الفارين الوصول من مصر إلى منطقة خليج العقبة ، والمسالح المصرية منتشرة في كل مكان من سيناء ، وبعد هذا كله لماذا أغفل المصريون القدماء تدوين أخبار هذه الأحداث الجسام ؟

ويبدو أنه في الوقت الذي اكتسبت فيه أرض الكنانة أسماً آرامياً جديداً ، نالت أيضاً تسمية أغريقية ، انتقلت فيما بعد إلى اللغات الغربية ، وأعني بذلك كلمة “ايجبت” EGYPT وبات أهلها يعرفون بالتالي باسم “قبط” وأصل هذه التسمية هو أن المصريين القدماء أطلقوا اسم ” حكفكت” أو ” حكفت” على العاصمة “منوفر” التي دعاها الاغريق باسم ” ممفيس”(1) وقد حور الاغريق اسم “حكفت ” إلى إيجبت ، لأنهم كتبوا دوماً حرف الحاء “ألفا” والفاء “باء” ، ومع الأيام أصبحت التسمية الجديدة معتمدة منذ العصور الكلاسيكية ، حيث امتد الحكم الكلاسيكي لمصر لمدة حوالي الألف عام .

ويشكل ما تقدم نماذج حول مكانة المصادر المصرية القديمة ، وأن الحاجة ملحة لنقل النصوص القديمة لتاريخنا إلى العربية مباشرة ، وليس عبر لغة غربية وسيطة ، وينطبق هذا أيضاً على المصادر الرافدية من بابلية وآشورية ، علماً بأن المصادر الرافدية ليست بالقدم نفسه مثل المصادر المصرية ، هذا وإننا ننتظر ظهور الكثير المهم من المواد السورية القديمة من قطنة وايبلا ، وأقدم المصادر البابلية وأهمها ما جاء من الدولة الآشورية ثم من دولة بابل الثانية ، فمن المعلوم أن العراق بلد قاري ، لذلك سعى حكام العراق نحو السيطرة على بلاد الشام والوصول إلى شواطئ البحر المتوسط ، وقاد هذا إلى أعمال توسع أكبر ، ويضاف إلى هذا إمكانات بلاد الشام من جميع النواحي وتوفر أكبر مناجم للنحاس ولتصنيع البرونز في العالم القديم في فيفان في أردن اليوم .

ومن غير الممكن الحديث عن علاقات لدولة بابل الأولى مع القدس ، لأن القدس لم تكن قد تأسست بعد ، بل ربما كان هناك على مقربة منها محرس عسكري صغير جداً ، أما في العصر الآشوري فمن الممكن الحديث عن سياسة آشورية معتمدة نحو فلسطين منذ أيام “سلمان نصر” ، ومع ذلك لم يرد ذكر للقدس إلا مرة واحدة فقط هي في نص يعود إلى أيام الملك سنحريب (704 – 681ق.م) ، وفي هذا النص تناقضات أكبر مما ورد في النصوص الآشورية الأخرى ، حول اسم ملك القدس آنذاك ، علماً بأن النصوص الآشورية قد اتسمت دوماً بالمبالغة بالمعلومات التي حوتها ، وقد استمرت دولة آشور بالوجود حتى عام 612 ق .م حيث سقطت لدولة بابل الثانية – الكلدانية – والمهم بالنسبة لموضوعنا بين ملوك الكلدانيين هو نبوخذ نصر الثاني (605- 562 ق.م) والنصوص التي وصلتنا عن حملاته إلى سورية ، وطبعاً تعزو النصوص التوراثية إليه ما يعرف باسم ” السبي البابلي ” .

ولم تعمر الدولة الكلدانية طويلاً بعد نبوخذ نصر ، وسقطت بابل عام 538ق.م إلى الملك الفارسي قورش ، حيث سلمه إياها كهنة مردوخ ، وفي أيام الملك قمبيز بعد قورش احتل الفرس بلاد الشام ، وكذلك مصر ، كما أن جيوشهم شرعت منذ ذلك الوقت بالتوغل في آسيا الصغرى وصولاً حتى بلاد الأغريق .

وقبل الاستطراد بالحديث عن الحقبة الفارسية أعود إلى حكاية السلبي البابلي ، فقد تحدث الملك نبوخذ نصر عن حملاته ، وأهمها الحملة التي قام بها في السنة السابعة من حكمه حيث جـــــاء فـــــي النص الـــأذي تحــــدث عنها ”  السنــة السابعـة : شهـــــر كسيليمـــــو (كانون أول) حرك ملك أكــــاد جيشـــــه إلــــى أرض حتــــى HATTI ، وحاصـــــر مدينــــــة ياحــودو IAAHUDU ، فاستــــولى علــــى المدينــــة فـــــي اليـــــوم الثانــــــي مـــــن شهـــر آذارو ، وعيـــــــن فيهــــا ملكــــاً حسبما ارتضاه ، واستولــــى علـــى غنائم ثقيـلة منها وجلبها إلى بابل “(1) وطبعاً لم يكن اسم القدس في يوم من الأيام ياحودو ، والدراسة المتآنية لنصوص نبوخذ نصر تظهر أنه لم يستول على القدس ، ولم يدخل فلسطين إلا مرة واحدة ، جرى صده فيها من قبل الجيوش المصرية ، ويقيناً لم يكن هناك سبي ليهود من القدس إلى بابل ، لأن اليهود لم يكونوا قد ظهروا على مسرح التاريخ ، يضاف إلى هذا أن الحفريات الأثرية أظهرت أن القدس كانت مدينة مزدهرة عامرة في التاريخ الذي قيل أنها تعرضت فيه للخراب على أيدي جيوش نبوخذ نصر ، لكن هذه المدينة أخذت تتراجع لتصبح شبه قرية ، وكان ذلك بعد أكثر من نصف قرن ، أيام الحكم الأخميني ، التي قيل بأن فيها أعيد بناء المدينة حسبما جاء في سفري عزرا ونحميا ، وتم فيها أيضاً عودة المنفيين . (2) .

ولقد أظهرت نتائج الحفريات الأثرية التي جرت في بابل أنه لم يكن في هذه الحاضرة العريقة قبل احتلالها من قبل قورش غير الذين عبدوا الإله “مردوخ” وبقيت هكذا حتى تاريخ تهديمها ، ومعروف أنه في البلاط الأخميني ومن قبل عزرا الكاتب الذي كان يعمل به جرت المحاولة الأولى لتدوين أسفار التوراة ، وأن الأخمنيين أسكنوا في كل من مصر وفلسطين حاميات عسكرية أحضروها من المشرق ، وسكنت الحامية العسكرية الأخمينية في مصر في جزيرة الفيلة ، وشهرت بعبادة الآله يهوه ، وهو إله للزوابع ، ويرجح هنا أن الحامية التي جلبت إلى فلسطين سكنت في القدس ومن حولها ، وكانت على اتصال بحامية مصر ، وورد اسم المنطقة الإدارية التي سكنت فيها في البداية أحياناً باسم يه YH ثم على شكل YHWD أو Yhw أو Yhd أو Yodh-he أو Yhwd-phw أو Yhd-tet ، ووردت هذه الصيغ على بقايا قطع من الفخار ، لأن الفخار كان يختم باسم المنطقة الإدارية التي كان يصنع بها لأسباب إدارية وضرائبية ، ومع الأيام عرفت منطقة هذه الفئة باسم “يهود” وأخذ سكانها يتميزون بديانة ثنوية نبعت من الزرادشتية وامتزجت مع بقايا تقاليد عرفت باسم الموسوية ، وما تزال هذه القضية قيد البحث ، وبحاجة إلى المزيد من التعميق ، لكن لسوء الحظ إن مصادر الحقبة الخمينية التي استمرت حوالي القرنيين قليلة جداً ، وسكنى هذه الطائفة في فلسطين صبغت بثوب ديني أسطوري ، فكانت وراء ما ورد في سفري عزرا ونحميا ، وحكاية العودة من السبي ، وإعادة بناء الهيكل المزعوم وأسوار القدس ، والمهم هنا أن أعمال الكشف الأثري أفادت أن مساحة هذه المقاطعة كانت – 651 دونم – ولم يتجاوز عدد سكانها – 16.300 – إنســـــان، وأن موقعين فقط بلغت مساحة كل واحد منهما – 20 دونماً ، وأن سكان القدس كان تعدادهم ما بين – 1200- إلى 1500 إنسان . وبودي لو أتيح لي الوقت الآن للحديث عن تاريخ الديانة اليهودية ، وعن تاريخ أسفار العهد القديم وعن محتوياته ، وكذلك عن التلمود ، ولعل ذلك يكون في مناسبة أخرى إنشاء الله .

والمهم أننا عرفنا الآن أصل منشأ كلمة يهود ويهودية ، ومن ثم باتت جميع الآراء الماضية والنظريات ملكاً للتاريخ ، وألتفت الآن لإعطاء تعريف موجز بموقع القدس ثم البحث في اسم هذه المدينة الذي عرفت به أولاً .

يشهد الدارس لموقع القدس وتطورها عبر العصور ، تشابهاً منقطع النظير مع مكة المكرمة ، فالمدينتان قامتا في موقعين جبلين ، وارتبط تطورهما بالقداسة والتجارة ، وهما معاً عانتا من مشاكل قلة المياه ، وأكثر من هذا مثلما اسم مكة أو بكة يعني نبع الماء يرجح علمياً أن تسمية القدس من حيث الأصل ارتبطت بالماء .

وتقع القدس على خط طول 35 درجة و 13 دقيقة شرقاً ،وخط عرض 31 درجة و 52 دقيقة شمالاً ، وترتفع نحو 750 عن سطح البحر المتوسط / ونحو1150 معن سطح البحر الميت ، والقدس ذات موقع جغرافي مهم ، لأن نشأتها جاءت على هضبة القدس والخليل ، وفوق القمم الجبلية التي تمثل خط تقسيم المياه بين وادي الأردن شرقاً والبحر المتوسط غرباً ، وجعل هذا من اليسير عليها أن تتصل بجميع الجهات ، وهي حلقة في سلسلة تمتد من الشمال إلى الجنوب ، فوق القمم الجبلية للمرتفعات الفلسطينية ، وترتبط بطرق رئيسية تخترق المرتفعات من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ، وهناك طرق عرضية تقطع هذه الطرق الرئيسية ، لتربط وادي الأردن بالساحل الفلسطيني ، ومن بينها طريق القدس أريحا ، وطريق القدس يافا ، وتبعد القدس مسافة22 كمعن البحر الميت ، و52 كم عن البحر المتوسط ، وأطوال الطرق المعبدة التي ترتبط بين القدس وكل من العواصم العربية المجاورة هي التالية : القدس – عمان88 كم، القدس دمشق290 كم، القدس بيروت388 كم، القدس القاهرة528 كم.

وترجع الأهمية الجغرافية لموقع القدس ، إلى أنه يجمع بين مزية الانغلاق ، وما يعطيه من حماية للمدينة ، وميزة الانفتاح ، وما يعطيه من إمكانية الاتصال بالمناطق والأقطار المجاورة ، كما وترجع هذه الأهمية إلى مركزية موقع القدس بالنسبة إلى فلسطين والعالم الخارجي ، وعلى هذا اختير موقع القدس بما يجمع من صفات الانغلاق والانفتاح .

وفي المجال العسكري ، اكتسب موقع القدس الجغرافي أهمية خاصة نظراً للحماية الطبيعية التي تزيد في الدفاع عنه ، وعندما كانت الحملات العسكرية تنجح في احتلال القدس ، كان ذلك النجاح إيذاناً باحتلال سائر فلسطين والمناطق المجاورة لها …. وكانت نشأة النواة الأولى لمدينة القدس على تلال الضهور ( الطور- تل أوفل) المطلة على قرية سلوان إلى الجنوب الشرقي من المسجد الأقصى ، وقد اختير هذا الموضع الدفاعي لتوفير أسباب الحماية والأمن لهذه المدينة الناشئة ، وساعدت مياه عين أم الدرج في الجانب الشرقي من الضهور على توفير المياه للسكان ، وأحاط بهذا الموقع وادي قدرون (جهنم) من الناحية الشرقية ، وأحاط به من الجهة الجنونية وادي هنوم ( الربابة ) ووادي الزبل من الجهة الغربية ” وقد كونت هذه الأودية الثلاثة خطوطاً دفاعية طبيعية جعلت اقتحام القدس القديمة أمراً صعباً ، إلا من الجهتين الشمالية والشمالية الغربية ” وبناء عليه استولت عليها جميع الجيوش عبر التاريخ ودخلتها من جهة الشمال .

” وهجرت النواة الأولى للمدينة بمرور الزمن وحلت محلها نواة رئيسة تقوم على تلال أخرى غير تلال الضهور (الطور ) مثل مرتفع ساحة الحرم (موريا) في الشرق ، ومرتفع صهيون في الجنوب الغربي ” ، ومع الأيام دخلت هذه المرتفعات داخل أسوار المدينة ، وكان ذلك على يدي الأمبراطور الروماني ايليوس هدريانوس (117- 138م) .

أما بالنسبة لاسم المدينة ، فقد اعتمد الباحثون في هذا المقام على مواد العهد القديم ، فقالوا بأن أسمها الأول كان “يبوس ” ، ثم صار أسمها “أورشليم ” بصيغ متنوعة ، ثم مدينة داود ، وبعد ذلك ايليا ، وبعد الفتح الإسلامي بزمن عرفت باسم القدس ، أو بيت المقدس ، ويضاف إلى هذا أن أسفار العهد القديم أطلقت عليها أسماء أخرى مثل : سالم ، وهيروسوليما ، وبيدرأرنان ، وأريئيل ، ومدينة قوية ، وابنه صهيون ، والمدينة الدموية ، والمدينة المطلوبة غير المهجورة ، ومدينة قوية ، ومدينة الرب ، والسيدة في البلدان ، والعظيمة بين الأمم ، ووادي الرؤيا ، وسدوم،  والبرج ، وهاليا ، والجريزا ، Al-gariza  ، وأشار المسيحيون إليها أحياناً باسم “الضريح المقدس ” ، واللاتين باسم ييروسوليما .

ومع أن اسم يبوس اسم عربي شامي ، مازال معروفاً في أحواز دمشق (جديدة يابوس) من غير الممكن توثيق جميع هذه الأسماء التي وردت في أسفار العهد القديم ، والذي يمكن اعتماده فقط أولاً اسم “القدس ” ثم ” ايليا ” رسمياً فقط لبعض الوقت ، والقاعدة التي اعتمدت في بلاد الشام حتى قدوم الأسكندر المقدوني ، في إطلاق الأسماء على الأماكن ، قد ارتبطت بطبيعة

المكان جغرافياً أو طبيعياً ، أو بوجود مكان مقدس (بيت) أو بمعركة من المعارك ، ولم يستخدم الشاميون السابقة “أور” في أي مكان من بلادهم ، واقتصر استخدام هذه السابقة على بلاد الرافدين ، ومن هذا المنطلق من المرجح أن اسم ” أورشليم” قد أطلق على المدينة المقدسة في أيام الحكم الأخميني في المائة الرابعة قبل الميلاد ، وذلك مع ظهور مقاطعة “يهود” ، واسم “يهود” ، واسم أورشليم اسم رافدي بابلي ، ظل رائجاً حتى مطلع العصر العباسي ، حيث أنه عندما بنى أبو جعفر المنصور مدينته المدورة ( بغداد ) أطلق عليها اسم ” دار السلام” أي أورشليم .

والاسم ” القدس ” هو الذي يمكن توثيقه لغوياً ، وجغرافياً ، وتاريخياً ، وهذا الاسم مرتبط بالماء من حيث الجر ، ومن حيث التخزين ، وكما سلفت وأشرت إلى التشابه ما بين مكة المكرمة والقدس فهذا واضح لنا من حيث التشابه بالموقع الجبلي ، وكذلك أصل الاسم ومعناه ، فقد أشار القرآن الكريم إلى مكة باسم “بكة” في قوله تعالى ( إن أول بين وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين ) سورة آل عمران – الآية 96 ، والإشارة إلى بكة هي إشارة إلى بئر زمزم ، ففي لبنان هناك بعلبك ، وفي سورية ومصر اسم الفم ” بق” ويقال للذي يطلب منه الكلام ” بق الكلمة ” ، وبقين ، نبع مشهور في ريف دمشق ، يشرب الناس مياهه المعبأة في قوارير ، وما برح العرب في كل مكان يصف كل واحد منهم الماء في حالة الفوران والغليان “الماء يبقبق”.

ومثل هذا كلمة “قدس ” التي تضبط بـ” قادس – قادش وقدس ” وفي سورية قدس أو قادس قرب حمص ، واسم النبع الآن “عين التنور ” ، ونبع النهر الذي تشرب منه طرابلس الشام هو “قاديشا” وفي فلسطين “قادش برنيع” قرب بئر السبع ، وإلى الشمال من صفد قرية اسمها “قدس” ، وهناك “قادش” على الساحل الجنوبي الغربي لبحيرة طبرية ، بالقرب من سمخ ،  وفي جنوب لبنان قرية أسمها “قدس” ، وإلى جانب دمشق بلدة “قدسيا” التي سميت كذلك لجر الماء إليها من نبع العراد ، وفي الأندلس مدينة عريقة كان أسمها “قادس” في كورة اشبيلية ، ذكر ياقــــــوت في معجم البلدان أن الماء كان يجلب إليها من نبع عذب في البحر ، حيث بني فوقه

 “بناء محكم ووثق بالرصاص ، والحجارة الصلبة ” وسيق الماء من هناك إلى المدينة ، وفي العراق القادسية التي وقعت قربها المعركة المشهورة ، وكذلك قديس ، وكان أيضاً قرب دجيل بين حربي وسامراء قرية كبيرة أسمها قادسية ، وفي جنوب اليمن قدس ، وعاصمة الصومال أسمها “مقديشو” ، ويقال حتى الآن في سورية لدلاء الماء ” قادوس ” وفي المغرب الأقصى،القادوس مجرى الماء ، وهناك قرب فاس “عين قادوس” .

ونقرأ في لسان العرب لابن منظور ” القدوس هو الطاهر المنزه عن العيوب ، وقد تفتح القاف ، وقدس هو الموضع المرتفع الذي يصلح للزراعة ، وقدس بفتح القاف والدال – موضع بالشام من فتوح شر حبيل بن حسنة ، والتقديس : التطهير والتبريك ، وتقدس تطهر ، ونقدس لك: نطهر أنفسنا لك ، وكذلك نفعل بمن أطاعك نقدسه ، أي نطهر ، ومن هذا قيل للسطل القدس، لأنه يتقدس منه ، أي يتطهر ، والقدس : السطل بلغة أهل الحجاز لأنه يتطهر فيه ، والقدس : البركة” وعلى هذا القدس “بركة الماء” ، الماء الذي يستخدم للطهارة ، ولقد كان من أهم ما اتسمت به مدينة القدس القديمة في العصور القديمة والوسيطة البرك التي كانت تجمع فيها مياه الأمطار، حتى ساد اعتقاد لدى المسيحيين أن مياه بركة  الضأن ، وكانت من أكبر برك المدينة ، كان ملاك يحرك مياهها ، وعند تحركها أول من يغطس بها يشفى من كل داء .

وذكر هيرودوت ( 483 ـ 425 ق. م ) في تاريخه القدس تحت اسم كاديتيس وأوضح أنها كانت بلدة سورية كبيرة على مقربة من مجدولوس الذي هو مرج ابن عامر ، أو بالأحرى تل المتسلم ويوحي كلام هيرودوت أنها كانت تعرف بهذا الاسم من القديم وإنها مدينة فلسطينية ذلك أن الجزء الجنوبي من السورية الممتد جنوباً إلى مصر كله يعرف باسم فلسطين وكان هيرودوت حين تحدث على التقسيمات الإدارية للإمبراطورية الإخمينية مع تبيان كميات الضرائب التي كانت تدفعها كل مقاطعة بهذه الإمبراطورية بين أن المنطقة العربية التي ضمت سيناء مع سورية الداخلية كانت معفاة من الجزية وأن المنطقة الساحلية التي امتدت من السويدية حتى مصر شكلت مقاطعة إدارية ضمت كل فينيقية وذلك الجزء من سورية الذي يعرف باسم فلسطين وقبرص وفي هذا ما يؤكد أنه في المائة الخامسة قبل الميلاد لم تكن مقاطعة اليهود قد ظهرت إلى الوجود .

ونقف مجدداً مع العرض التوارتي للأحداث وقد ذهب هذا العرض إلى أن القدس قد تأسست حوالي عام 3500 قبل الميلاد وأن سكانها المؤسسين لها كانوا العرب اليبوسيين وأن ملكي صادق كان أول ملوك هذه المدينة وهو سام بن نوح ، وقد زاره ابراهيم الخليل عليه السلام، فباركه أي استخلفه واستخلف ابراهيم فيما بعد ابنه اسحاق وجاء من بعد اسحاق ابنه يعقوب الذي دخل مع أولاده إلى مصر الإقليم اثر مجاعة ، ولأن ابنه يوسف كان عزيز مصر وبعد ردح من الزمن تكاثر عدد أبناء يعقوب الذي صار اسمه الآن إسرائيل، ونتيجة لظلم المصريين هاجر بنو إسرائيل من مصر بقيادة النبي موسى عليه السلام وإنهم قطعوا البحر إلى شبه جزيرة سيناء حيث تاهوا فيها لمدة أربعين سنة ثم دخلوا فلسطين بعد وفاة موسى عليه السلام بقيادة يوشع بن نون وهدموا أريحا وقتلوا أهل فلسطين حتى تمكن داود في حوالي سنة 1000 قبل الميلاد من الاستيلاء على القدس وصارت مدينة داود وبعد داود حكم ابنه سليمان الذي بنى في القدس الهيكل الأول وبعد سليمان انقسمت المملكة إلى قسمين مملكة إسرائيل في الشمال وهي الأكبر ومملكة يهوذا في الجنوب وأن حرباً قاسية نشبت بين مملكتين وأن هذا أدى إلى انفصال جماعة السامرة وفي الوقت نفسه تعرضت فلسطين لحملات مصرية وأخرى أكادية ثم آشورية وبعد ذلك كلدانية وكان آخرها حملة بنو خدنصر الذي استولى على القدس وسبى سكانها وشتتهم حتى جاء العصر الأخميني .

وهذا العرض ، وأن كان يبعث ـ في أيامنا ـ السرور ـ في بدايتة ـ بالنفس ، هو ملفق ولا صحة له ، يتعارض تماما مع معطيات الآثار ، كما أنه لا يتوافق مع ما ورد في القرآن الكريم ، وهو قد بعث السرور في البداية على أساس أن العرب اليبوسيين هم الذين أسسوا المدينة ، وهنا نرى أن يبوس سمه للمكان ، وأن هذه السمة من المفترض قد منحت اسمها لسكانها ، وأما الحديث عن ملكي صادق وإبراهيم الخليل فأسطوري كامل ، اخترعه كتاب العهد القديم للقول بأن ملكي صادق قد عهد إلى إبراهيم ، وأن إبراهيم قد أورث شرعيته إلى ابنه اسحق وهكذا إلي يعقوب فالأسباط ، وهذا أمر لا يمكن إثباته عن طريق الآثار ، يضاف إلي هذا أن القرآن الكريم لم يذكر ملكي صادق ، ولم يذكر أن إبراهيم الخليل قد قام بأية حروب ، ثم إن الاتصالات بين العراق والحجاز ـ إذا قبلنا برواية أن إبراهيم كان أصلأً من العراق ـ لم تكن قط تتم عبر فلسطين ، بل مباشرة ، وأن إسماعيل كان هو الابن الأول لإبراهيم ، وبإبراهيم وإسماعيل الذبيح، ارتبط حدث إعادة بناء الكعبة في مكة المكرمة ، ومع إعادة البناء هذه الايذان بالحج ، وأما قضيـــــة اسم أم إسماعيل بأنه كان هاجــــر ، فأمر سهــــل التفسيـــر ، لأن أهـــل اليمــــن يطلقون على القرية أو البلدة اســــم ” هجـــر ” وروى ياقـــوت أن ” الهجــــر بلغـــــة حميـــر والعـــــرب العــــــاربة : القريــــة ، فمنهـــــا هجــــــر البحـــــــرين ، وهجــــــر نجـــران ، وهجــــر جازان …. (1) ، فهاجر على هذا امرأة هجرية ، والارتباط بمصر ، هو ارتباط بمجرى ماء أو تخم ، وفي جنوب شبه جزيرة العرب المياه وفيرة، وبها ارتبطت أماكن الاستقرار والتواصل المعاشي وسواه ، وصورة إبراهيم الخليل عليه السلام في القران الكريم صورة الإنسان المتنقل غير المستقر ، أي أنه كان أقرب إلي البداوة ولذلك منطقي تسمية زوجته غير البدوية باسم هاجر ، لأنها جاءت من ” هجر ” قامت على مجري من مجاري المياه ، وهذه أيضاً صورة بقيت مستمرة حتى أيام يعقوب ، والخلاف بين أولاده ، وقضية يوسف ، ثم بعد ذلك في سيرة موسى عليه السلام بعد فراره ، وقيامه بأعمال الرعي ، ومادمنا مع موسى عليه السلام ، إن بلد السحر قديما هو بابل ، وهذا واضح في قوله تعالى : ( ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ) ، كما أن بلاد بابل هي بلاد الأبراج والزقورات ، واستخدام الطوب المجفف بالشمس أو المشوي بالنار ، في حين نجد أن آثار أرض الكنانة شاهدة على أنها بلاد الحجارة والبناء بها ، يقول الله تعالى : ( وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي أطلع إلى إله موسى ) ، وقوله جل وعلا : ( ولقد أرسلنا موسى بأياتنا وسلطان مبين إلي فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب )(4) وقوله تعالى : ( وقال فرعون ياهامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب . أسباب السموات فأطلع إلي إله موسى ) } سورة غافر ـ الآيتان : 36ـ37 { .

          والفرعون بالعربية هو الطاغية ، وكان أبوجهل طاغية هذه الأمة ، وشهرت بلاد بابل بطغاتها عبر التاريخ ، ونعود إلي يعقوب وأبنائه لنتذكر أنه كان من عادة البداة الاسترفاد في مواسم القحط من البلدان المجاورة ، وشهرت هذه العادة عند بداة شبه الجزيرة العربية ، حيث كانوا يسترفدون من العراق في أيام القحط قبل الإسلام ، ولدينا في الأدب العربي حكاية قوس حاجب ، وهي من الشواهد المتأخرة ، كما أن شط العرب شكل مجمعا للبحرين ، وعلي مقربة منه ما تزال هناك بقايا أقدم أتباع ديانة قديمة جداً ، وأعني بهم الصائبة الذين يمتلكون تراثاً دينيا غنياً ، يضاف إلي هذا أن الخليج العربي هو البحر الأحمر قديما ، وتتحدث كتب الأخبار العربية

عن أنساب وكتب الأنساب عن عرب بائدة ، وقد يكون بنو إسرائيل من العرب البائدة ، لأنه جاء في القران الكريم قوله تعالى : ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون . تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولاتسئلون عما كانوا يعملون ) (البقرة : 132ـ134 ) .

          هذا ومقرر علمياً أنه لا علاقة بين بني إسرائيل ـ أي أولاد يعقوب ـ والذين سيعرفون باسم يهود فيما بعد ، يقول الله جلت قدرته : ( أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون . تلك أمة قد خلت لها ماكسبت ولكم ما كسبتم ولاتسئلون عما كانوا يعملون ) ( البقرة : 140 ـ 141) .

          وحين ننتقل إلى مسألة كل من داود وسليمان ، نجد أن صورة داود في القران الكريم تختلف عنها في العهد القديم ، فهو في العهد القديم : فتى أفاق ، مارس أعمال رعاية الأغنام ، ثم شكل عصابة من حوله ، وتشرد وتخفى في عدة أماكن، حتى قتل سيده ، واستلم السلطة من بعده ، وفي أيام سلطته كان بيته بؤرة دعارة ، وكانت لذلك علاقته ببعض أولاده سيئة ، ثم هو لم يكن نبياً ، أما في القرآن فنجد صورته وحرفته مختلفة ، وأنه كان نبياً ، وهكذا نقرأ قوله تعالى : ( وآتينا داود زبوراً )  – ( النساء : 163 ) – ( ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود سليمان) ( الانعام:84 )- (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود)- ( المائدة : 78 ) ( ياداود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ) ( ص: 26) ، وأخيراً : ( وألنا له الحديد . أن أعمل سابغات وقدر في السرد ) ( سبأ : 10ـ11 ) .

          وعلى هذا كان النبي داود خليفة لله في الأرض ، وكان يمارس أعمال القضاء ، وقد آتاه الله زبوراً ، وألان الله له الحديد ، حيث عمل سابغات ، وكان بالوقت نفسه عالماً ، ولابد لخليفة الله في الأرض من أن يكون حاكما عظيم الشأن على دولة واسعة الآفاق وهذا لا يتوافق مع تاريخ فلسطين ، ثم إن القدس لم تكن قط عاصمة دولة كبيرة جداً وقوية إلى أقصى الحدود ، ونبقى مع المسألة الفيصل وهي العمل بالحديد وصنع السوابغ ، حيث من المقرر تاريخيا أن أول من استخدم الحديد في الأعمال العسكرية هم شعوب البحر ، الذين اجتاحوا الشواطئ الشامية والمصرية ، محدثين الدمار والحرائق ، وما نحين لفلسطين – كما يعتقد الكثيرون – اسمها ، فهم قد جاءوا من كريت ، ومن بعض البلدان الأوربية التي امتلكت الحديد ، وبذلك حققوا التفوق على الذين كانت أسلحتهم من البرونز ، وكان ظهورهم في حوالي / 1200/ ق .م / فهل كان داود من شعوب البحر ؟ طبعا لا ، لأن اسمه عربي ، والله تعالى قد استخلفه وانزل عليه الزبور ، وبما أن الحديد لم يكن متوفرا في المشرق العربي ، وأنه دوماً جرى استيراده من أوربا أو من آسيا الصغرى ، أو من الهند ، علينا البحث عن دولة كبرى استخدمت الحديد على نطاق واسع ، فحققت بذلك نجاحات عسكرية باهرة ، وهذا ينطبق فقط على الدولة الآشورية من بعد القرن الثامن قبل الميلاد ، وطالما كان داود خليفة الله ، وسيد دولة كبرى من نسل نوح ، لابد أنه كان ملكاً آشوريا ، ويدعم هذا اسم ابنه ” سليمان” الذي هو اسم آشوري ، والدولة العظمى التي حكمها سليمان لا تتطابق ملامحها ألا مع الدولة الآشورية ، وصحيح أن الدراسات حول الدولة الآشورية كثيرة ، نحن مازلنا نجهل الكثير من أخبارها ، لأن الذي كشف من آثار الماضي أقل مما يزال تحت الأرض ، يضاف إلى هذا أنه لدى نقل الكثير من آثار أشور في القرن التاسع عشر إلى أوربا ، أخذت طبعات العديد من النصوص المهمة جداً ، وقد أتلفت أوراق هذه الطبعات في المتحف البريطاني لأن نصوصها تعارضت مع مواد العهد القديم (1) ، وعلى هذا استعار كتاب العهد القديم من تاريخ أشور : داود وسليمان والتمزقات التي عرفتها الدولة الآشورية ، ومسخوا الجغرافيا ودنسوا الصدق والحقيقة .

وقبل أن ندع النبي داود عليه السلام ، أبق مع صناعة السوابغ من الحديد ، فالسابغة ثوب أو درع من زرد الحديد ، يجره المقاتل على كعبيه طولاً ، وتصنع السابغة بالعادة من حلق أو خواتم من الحديد تشبك مع بعضها (2) وكانت صناعة السوابغ حتى في أوربا في العصور الوسطى تحتاج إلى مهارة عالية في فنون صناعة الحديد ، والى نفقات كبيرة جداً وإلى فرق من العمال البارعين ، وذلك أن سابغة واحدة كانت تحتاج إلى عدد هائل من الحلق أو الخواتم ، تصنع مفردة ثم يجرى شبكها مع بعضها ، ولحمها مع بعضها بشكل متقن بوساطة النار الحامية والتطريق ، واحتاج مثل هذا العمل إلى إمكانيات دولة كبرى مالياً وغير ذلك ، وهذا ما لم يتوفر في فلسطين.

وأختم حديثي هذا بالمسألة التي تواجهنا فيما يتعلق بالنبي سليمان ، وملكة سبأ ، المشهورة باسم بلقيس ، فالدارس لتاريخ الدولة الآشورية ، ولنصوص الآشوريين الكثيرة ، يلاحظ كثرة الإشارات فيها إلى القوى البدوية العربية ، والى دويلات عربية كانت محكومة من قبل نساء (1) وورد ذكــــر سبأ في القرآن الكريم مــرتين ، فــي المرة الأولى في سـورة النمــل ( الآيات 19 – 44 ) حيث جلب طائر الهدهد خبراً إلى النبي سليمان عن ( سبأ بنبأ يقين .إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم . وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ) ، و أرسل سليمان رسالة إلى سبأ قال لهم فيها : ( ألا تعلو على وأتوني مسلمين ) وحاول السبأيون شراء رضاه بالمال فقال لرسوله : ( ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم ولنخرجنهم أذلة وهم صاغرون ) وفي النهاية قدمت ملكة سبأ إلى عند سليمان ، ولدى دخولها عليه حسبت ارض قاعة عرشه (لجة وكشفت عن ساقيها قال انه صرح ممرد من قوارير ) ونتيجة لذلك تخلت عن كفرها وقالت : (ربي أني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) ومهم قولها أسلمت مع سليمان ولم يشر القرآن إلى حملها هدايا إلى سليمان أو سوى ذلك ،في حين تحدثت أخبار العهد القديم عن هدايا متنوعة وثمينة حملتها إلى الملك سليمان ،وإلي قيامه بإغوائها وإغواء وصيفتها، وإنجابها منه وكذلك وصيفتها إلى غير ما ذلك .

والمتمعن بلهجة خطاب سليمان للسبأيين ومن ثم مقارنتها بالنصوص الآشورية التي نشرت حتى الآن يجد تماثلاً ، ولابد هنا من الوقوف عند قدرة طائر الهدهد على قطع المسافات، وإلى استخدام الزجاج الممرد ،فلعل سبأ كانت على مقربة من أشور فالقبائل العربية كانت منتشرة في مناطق الجزيرة وسواها ومن جديد دعونا نختتم بمواجهة ذكر سبأ اليمن

وفي سورة  قرآنية حملت اسم سبأ الآية (21- 140 )ورد قوله تعالى (لقد كان لسبأ في مساكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتين ذواتى  أكل خمط واثل وشئ من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجزي إلا الكفور )

وواضح هنا إن المقصود سبأ اليمن وسد مأرب حيث تعرض لفيضان وتهديم ،وكان ذلك قبل الاحتلال الحبشي لليمن ، والفارق الزمني بين سبأ سليمان وسبأ اليمن قد يصل إلى ألف وثلاثمائة سنة ،هذا ومسألة تشابه الأسماء في الوطن العربي مسألة معروفة عبر التاريخ .

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: